من بين أنياب جرافة حاقدة، كان جسد الشهيد محمد الناعم يتدلى بقسوة، تضربه الجرافة أرضا مرة وتعلو به من رأسه مرة أخرى، تخرج كل حقدها الدفين في مشهد تقشعر له أبدان البشر، قبل أن تسرق جثمانه ثم تتوارى عن الأنظار باتجاه الشريط الحدودي.
صور ومقاطع فيديو بثت من قبل نشطاء عبر شبكات التواصل الاجتماعي، أظهرت استخدام قوات الاحتلال الإسرائيلي طريقة إجرامية وبشعة، عند محاولتها احتجاز جثمان الناعم الذي استشهد شرق خانيونس، في حين تقدمت جرافة عسكرية نحو شبان حاولوا انتشال جثمان الشهيد من المنطقة، وسط إطلاق النار عليهم من الجنود قرب الحدود.
المشهد نفسه كاد أن يحدث الجمعة الماضية في قرية كفر قدوم شرق مدينة قلقيلية، عندما باغتت جرافة عسكرية عددا من الشبان وهاجمتهم بسرعة هائلة، ولحسن الحظ لم يصب أحد بجروح خطيرة، باستثناء طفل ومصور صحفي، حيث أصيبا بجروح طفيفة.
وقبل أيام، ارتكب الاحتلال جريمة مشابهة في محيط رأس كركر غرب محافظة رام الله، بحق الشهيد فخر محمود أبو زايد قرط (53 عاما)، عندما انتشلت جثمانه بواسطة جرافة.
امتهان حرمة القتل
مدير الاعلام في وزارة شئون الأسرى والمحررين، اسلام عبده، قال:" إن التنكيل بجثة الشهيد شرق خان يونس جريمة متعمدة بأسلوب وحشي يخالف كافة الأعراف والقوانين الدولية، وهي امتهان لحرمة القتل".
وحول المخاوف من إمكانية سرقة أعضاء الشهداء عقب عملية سحب جثامينهم، أكد عبده في حديث لـ"الرأي"، أن الأمر ليس متعلقا بالسرقة بقدر ما هو إمعان في سياسة الاحتلال القاضية باحتجاز جثامين الشهداء.
وأوضح أن سحب جثمان الشهيد بهذه الطريقة من خلال جرافة عسكرية يعد خرقاً للقانون الدولي الإنساني دون مراعاة لجثة الشهيد، بالإضافة الى تعمد إحداث اصابات في صفوف الأبرياء العزل الذين حاولوا سحب جثمانه.
التوجه للجنائية الدولية
من جهته أكد الخبير في القانون الدولي عبد الكريم شبير، أن ما حدث من تعمد جنود الاحتلال قتل المواطن على تخوم قطاع غزة والتنكيل بجثته واعدامه وسحبه هو اعدام ميداني وانتهاك خطير للاتفاقيات الدولية، ويعتبر جريمة حرب، لافتا إلى أنه بالإمكان توثيق تلك الجريمة في محكمة الجنائية الدولية لمحاكمة جنود وقيادات الاحتلال.
وقال شبير في حديث لـ"الرأي": إن الجنائية الدولية أعلمت بقبول 47 طلبا من الفلسطينيين الموجودين في الشتات، ضد قيادات وجنود الاحتلال الذين ارتكبوا جرائم إنسانية".
وحول اعتبار أن الاحتلال هو الوحيد الذي يرتكب مخالفات للقوانين الدولية، أشار الخبير في القانون الدولي أن الاحتلال يشعر بأن الولايات المتحدة الأمريكية الداعم له، حيث تضع العراقيل أمام الفلسطينيين لمنعهم من التوجه نحو القضاء الدولي والمحاكم الدولية.
ونوه شبير إلى أنه من حق أهالي الضحايا والشهداء الفلسطينيين التوجه لمحكمة الجنائية الدولية بهدف محاسبة قادة وجنود الاحتلال وهذا حق مشروع لهم.
إعدام وحشي
بدوره، أكد مدير مركز الأسرى للدراسات والأبحاث الاسرائيلية الدكتور رأفت حمدونة أن سياسة الإعدام بحق الفلسطينيين زادت وتيرتها في الفترة الأخيرة بتغطية من الحكومة "الاسرائيلية" وجهاز الأمن "الشاباك" والجيش الاسرائيلي، والتي منحت الاحتلال والمستوطنين إطلاق قذائف مدفعية بالقرب من السياج في قطاع غزة، وإطلاق النار على الفلسطينيين بالضفة بحجج الاشتباه.
وقال حمدونة:" إن ما قام به جيش الاحتلال بإعدام الشاب الفلسطيني والتنكيل بجثمانه بطريقة وحشية واستفزازية في شرقي بلدة عبسان الجديدة شرقي خانيونس جنوب غزة يأتي في سياق سياسة الاعدام والاستهتار بحياة المواطنين الفلسطينيين التي جاءت في أعقاب الضوء الأخضر الذي منحته الحكومة الاسرائيلية وقيادات الأحزاب اليمينية المتطرفة بحجة الأمن".
وتابع قوله:" سياسة الاعدامات تأتي في إطار قرار وزير الحرب نفتالي بينيت باحتجاز جثامين الشهداء لاستخدامهم كورقة ضغط ومساومة في أي صفقة تبادل قادمة"، مبيناً أن الاحتلال قام بعشرات الاعدامات على المتظاهرين في مسيرات العودة السلمية بغزة، وخلال انتفاضة القدس.
واستشهد حمدونة بالعديد من عمليات الاعدام الفردية والجماعية التي نفذها الاحتلال بحق الفلسطينيين أمثال الشهيد فادي علون وغيره من الشهداء الذين نكل الاحتلال بهم.

