"كلمة حق في وجه سلطان جائر"، كانت ثمناً ليفقد المصور الصحفي إياد حمد وظيفته من وكالة "AP" نتيجة تضامنه مع زميله الصحفي في الضفة الغربية أنس حواري.
تعود القصة، بحسب حديث سابق لحمد إلى خلاف بينه وبين ضابط في الشرطة الفلسطينية، على تطبيق "واتساب"، بخصوص قضية الصحفي الفلسطيني الذي كان معتقلاً حينها لدى الشرطة الفلسطينية أنس حواري.
وأشار حمد إلى أن الخلاف كان حول رواية اعتقال حواري على حاجز للأمن الفلسطيني قرب طولكرم شمال الضفة الغربية، حيث تقول الشرطة إنه اعتدى على أفراد الأمن، بينما يؤكد المحامي وجود آثار اعتداء وضرب على حواري.
حمد بين أنّ من حصل الخلاف معه هدده بعد ساعات بتقديم شكوى ضده في مكان عمله، ليفصل من الوكالة بعد نحو أسبوع.
حمد طالب الصحافيين لتعزيز التضامن بين بعضهم البعض، بعيداً عن الانتماءات الفصائلية والحزبية، وتشكيل جسم قوي وجديد يكفل حقوقهم جميعاً.
ونشر الصحفي إياد حمد، مساء السبت، رسالة مؤثرة في أعقاب فصله من عمله كمصور في وكالة "اسوشيتد برس" الأمريكية.
وكانت وكالة "اسوشيتد برس" أقدمت على فصل مصورها حمد (63عامًا) بحجة أنها تلقت شكوى ضده من الشرطة برام الله بدعوى قيامه بـ "التحريض ضد الأجهزة الأمنية ومحاولته خلق فوضى".
وفيما يلي نص رسالة حمد:
قبل قليل استودعت قطعة من جسمي كانت رفيقتي المخلصة الأمينة التي لم تخني يوماً.
اليوم ودعت كاميراتي كي تعود إلى مكاتب Ap في القدس.
ربما لا يعرف أحد ماذا تعني كاميرا المصور الذي حملها عشرون عاما. جاب بها بلاد وبلاد، وثق بها حكايات ألم وحزن وعناء.
كانت لي خير رفيق، وكانت أصدق من أناس كثر. حملت بداخلها صورة الشهيد، ودموع أم الشهيد، وصرخات طفل يودع والده الشهيد.
سجلت زغرودة الأم فوق رأس ابنها الذي اخترق رصاص الاحتلال رأسه.
سجلت صورة طفل يركض خلف جنود الاحتلال بحجر. وسجلت صورة دبابه تدوس البيوت وتمر على أشلاء شهيد.
ذهبت الكاميرا وبقي لي ذكرياتها الحزينة التي لن تفارق ذاكرتي.
لن يعرف أحد منكم معنى أن تصبح هذه الكاميرا قطعة منك وأنت قطعة منها. في بعض الأحيان كنت أتحدث معها بعد انتهاء تصوير يوم دام حيث نكون عائدين لوحدنا.. أشعر بعض الأحيان أن هذه الكاميرا لها قلب أحن من قلوب بعض البشر. يكفي أنها لم تخني يوما في معاركي.
استنشقت الغاز مثلي، وأصيبت بالرصاص مثلي، واحتجزت معي في مراكز التوقيف.
ودعت حكاية عشرين عاما من العمل الصحفي في لحظه. لكنها ستبقى معي وترافقني في حياتي... حكاية العشق بيني وبينها لا يعرفها أحد سوى المصورين.
عندما غادرت غزة شعرت أنها تبكي معي. وعلى حدود تونس نظرت من الطائرة نظرة الوداع. وفي ليبيا ومصر وتركيا والسعودية والجزائر والأردن .. شاهدتها تبكي أثناء تغطية الرئيس الراحل أبو عمار .. وفي بيت لحم أثناء حصار كنيسة المهد كانت تصلي.
في حرب 2014 في غزة كفرت هذه الكاميرا بكل معاني الإنسانية عندما كانت توثق عائلة كاملة استشهدت.. وفي مسيرات العودة على الحدود رقصت مع الصبايا والشباب على السلك.
هذه كاميرتي التي ودعتها اليوم. آمل أن من وقف وراء فصلي أن يعلن الانتصار.. أن يطلق النار في الهواء، أو يوزع الحلوى.
أقول لكم حكايتي.. لم ولن أتوقف يوما مهما كان الأمر.
لن أتوقف حتى أصبح تحت التراب.
وداعا يا أعز الأصدقاء..
مسيرة مميزة
بدوره؛ أدان رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة سلامة معروف قيام وكالة أسوشيتد برس بفصل الزميل المصور الصحفي إياد حمد، بطريقة مشينة، لا تنم عن أدنى التزام بأخلاقيات المهنة، عبر رسالة وصلته على بريده الإلكتروني مساء أمس الأربعاء.
وعبر معروف في تصريح صحفي ، عن مساندته الكاملة للزميل الصحفي إياد حمد، والدفاع عن حقه في وجه هذا القرار التعسفي، مجددا الالتزام التام بالدفاع عن قضايا الصحفيين الفلسطينيين.
وثمّن الدور المهني للمصور الصحفي حمد في تغطية الأحداث الميدانية ونشيد بنشاطه الميداني في فضح جرائم ومخططات الاحتلال، ووقوفه بشجاعة مع زملائه الصحفيين الذين تعرضوا لاعتداءات من الاحتلال أو أجهزة السلطة، الأمر الذي تسبب بتعرضه للاعتقال والضرب والإصابة أكثر من مرة.
وقال معروف: "إن ما جرى مع المصور إياد حمد، يعد موقفا مخزيا من وكالة الاسوشيتدبرس ووصمة عار بحق من تسبب في هذا الفصل أياً كان موقعه الوظيفي ومسماه الرسمي".
وذكر أن مبررات قرار الفصل التي ساقتها الوكالة تستوجب الإسراع في تشكيل لجنة تحقيق وطنية لكشف المسئول عن هذه الجريمة ومحاسبتهم وطنيا وقانونيا.
وطالب معروف الوكالة بالتراجع الفوري عن القرار التعسفي بالفصل، لما يشكله من اعتداء واضح على حرية الرأي والتعبير، وعدم تسجيل موقف مهني مخزٍ ضد الصحفيين الفلسطينيين، الذين يكفيهم ما يتعرضون له من جرائم الاحتلال.
ودعا كافة الأطر والتجمعات الصحفية للتعبير عن موقف رفض واضح من هذا القرار، ودعم موقف الزميل حمد، وتنظيم الفعاليات المساندة والضاغطة على الوكالة.
كالجسد الواحد
من جانهم؛ أكد صحافيون وممثلون عن تجمعات صحافية وإعلامية في قطاع غزة رفضهم قرار وكالة "أسوشييتد برس" الأميركية التي فصلت المصور الصحافي إياد حمد، من الضفة الغربية المحتلة، على خلفية شكوى قدمتها الشرطة الفلسطينية ضده في رام الله.
ودعا الصحافيون في وقفة تضامنية نظمها "منتدى الإعلاميين الفلسطينيين"، أمام مقر مكتب وكالة "أسوشييتد برس" في مدينة غزة اليوم السبت، إلى ضرورة الضغط بقوة لإعادة المصور حمد إلى عمله، واتخاذ قرارات حاسمة من قبل الحكومة والسلطة الفلسطينية.
ورفع المشاركون في الوقفة صوراً لزميلهم وعبارات تضامنية معه، وأخرى تدعو الأجهزة الأمنية والسلطة الفلسطينية لرفع القيود المفروضة على الصحافيين وتعزيز حرية الرأي والتعبير والضغط على الوكالة العالمية.
وقال نائب رئيس "منتدى الإعلاميين الفلسطينيين"، محمد أبو قمر، إن ما حدث مع المصور الصحافي إياد حمد يعتبر سابقة، خصوصاً بعد أن جاءت الشكوى من الشرطة الفلسطينية ضده إلى الوكالة الأميركية حيث يعمل.
وأضاف أبو قمر، في كلمة له خلال الوقفة التضامنية، أن المطلوب كف الأجهزة الأمنية يدها عن الصحافيين في ضوء الملاحقة التي تجري بحقهم من قبل الاحتلال الإسرائيلي وعمليات الاعتقالات والاستهداف المتكررة لهم. وأشار إلى أن الصحافي حمد لم يرتكب أي مخالفة بتضامنه مع زميل آخر له كان معتقلاً لدى الأجهزة الأمنية في الضفة المحتلة.
واعتبر رئيس "المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية"، فتحي صباح، في كلمة له أن ما جرى مع المصور حمد يؤكد أن الصحافيين العاملين في الوكالات الدولية محرومون من حرية الرأي والتعبير ومناصرة زملائهم. وقال إن السلطة الفلسطينية والحكومة مطالبتان بوقف عمل وكالة "أسوشييتد برس" في الأراضي الفلسطينية إلى حين إعادة المصور الصحافي حمد إلى عمله.
ورأى رئيس "المعهد الفلسطيني للاتصال والتنمية" أنه "لولا ضعف نقابة الصحافيين الفلسطينيين لما أقدمت الوكالة الأميركية على فصل المصور"، مطالباً الصحافيين والإعلاميين بتعزيز التضامن في ما بينهم بعيداً عن الخلافات السياسية.

