أربعة عشر عاماً من الحصار والإغلاق مرت على قطاع غزة كأنها قرون ثقال من الموت الزؤام؛ لم ترحم أطفاله ولا نسائه ولا رجاله ولا شبابه، حيث قتل الحصار المئات من المرضى الذين حُرموا من الأدوية أو من السفر للعلاج، وخرّب حياة الآلاف من الأسر والعائلات التي كانت تنتظر لحظة مشرقة في حياة أفرادها، ووقف عائقاً أمام طموحات وأحلام عشرات آلاف الشباب الذين كانوا يرقبون مستقبلاً جميلاً، ودمّر الكثير من الصور الجميلة التي كانت تنتظرها غزة بكل محتوياتها، غير أن دخول فايروس كورونا على الخط يبدو أنه سيرسم خريطة جديدة!
استحضار تصريحات السنوار
التصريحات النارية التي أطلقها رئيس حركة حماس في قطاع غزة يحيى السنوار عبر فضائية الأقصى سابقا؛ استحضرها أمس العشرات من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث قال فيها وقتذاك السنوار: "أنا أقول له (للاحتلال) بأنه حينما نضطر، بأن شعبنا يلزمه أجهزة تنفس أو مستلزمات لوقاية شعبنا من أن يتفشى هذا الوباء أو أن شعبنا يجوع فسنأخذ منك ما يلزم خاوة وستجد بأننا قادرون بإذن الله".
استحضار تهديدات وتصريحات السنوار جاءت بالتزامن مع دخول فايروس كورونا إلى قطاع غزة، حيث يعاني القطاع من واقع صحي ضعيف ومحدود الإمكانيات في ظل الحصار المطبق والمفروض على غزة من 13 عاما متواصلا.
استحقاقات كسر الحصار
د. ناجي الظاظا المحلل السياسي يقول: "الأوضاع في قطاع غزة بسبب جائحة كورونا تضع الجميع أمام استحقاقات أكبر تجاه كسر الحصار، لا يمكن أن ننتظر 14 سنة أخرى لتتآكل فيها مقوماتنا الحياتية أمام رفاهية الاحتلال ورغبته بالهدوء مقابل لا شيئ"، ويضيف الظاظا في مقال مقتضب له وصل الرأي نسخة عنه: "معاناة السكان في غزة يجب أن تقابلها معاناة الإسرائيليين .. هكذا هي السياسة والمقاومة".
قرارات مصيرية قبل وقوع الكارثة
أما الكاتب الفلسطيني أحمد أبو زهري فقد ذهب إلى 3 خيارات أمام صانع القرار في غزة وهي أولا: إبقاء الوضع في القطاع ضمن ظروف الطوارئ وتكثيف جهود اللجان المتخصصة والبدء بتنفيذ خطط سابقة بشكل متدرج لحماية شعبنا وتطويق العدوى قدر الإمكان، أو رفع سقف المطالب في وجه الوسطاء والتمسك بتنفيذها بشكل فوري دون تسويف أو مماطلة، أو الاستعداد لاتخاذ قرارات مصيرية تسبق وقوع الكارثة، مشيرا إلى أن التصعيد ربما يرتفع مؤشره بشكل غير مسبوق تجاه الاحتلال.
التصعيد مطروح
وعلى ذات الاتجاه فقد ذهب الكاتب الفلسطيني خالد النجار في مقاله الذي بعنوان "التصعيد خيار مطروح في ظل تعنت الاحتلال"، حيث ذهب فشل المفاوضات بسبب تعنت الاحتلال، ورفضه تخفيف القيود والإجراءات المفروضة على القطاع منذ ما يزيد عن 14 عاماً.
وقال النجار في مقاله: بأنه "وفي ظل الجائحة وانتشار الوباء، وارتفاع معدل الإصابات والنقص الحاد في الوقود، وانعدام فرص توفير المستلزمات الطبية اللازمة في مواجهة الكورونا، لم يتبق للمقاومة سوى خياراً آخر"، وأضاف: "فالعدو يراهن على تفشي الوباء في كافة محافظات القطاع لإحداث شلل كبير في القطاعات الاقتصادية والصحية كنوع من الضغط على المقاومة وإرغامها بالهدوء مقابل الهدوء، هذه المعادلة ووفقاً للمعطيات على الأرض لن تستمر، بل هناك تحركاً لكرة الثلج في طريق التصعيد الواسع هذه المرة".
المقاومة تهدد
فصائل المقاومة الفلسطينية بغزة لم تقف مكتوفة الأيدي؛ فقد حملت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة أبناء شعبنا، وقالت: إنها "لن تقف المقاومة صامتة أمام هذا الحصار الظالم وأمام عدم إدخال كامل المستلزمات الطبية والمعيشية لمواجهة الجائحة".
وأضافت: "لن نقبل بان يعاني شعبنا وحده، فسيرى العدو ومغتصبيه الصهاينة من بأسنا الشديد ما يثلج صدور قوم مؤمنين، وليسجل التاريخ ذلك"، مطالبة السلطة بتحمل مسؤولياتها تجاه غزة وتوفير ما يلزم من مستلزمات طبية ومعيشية لمواجهة الجائحة التي باتت تنتشر في شوارع قطاع غزة".
كما ودعت "المؤسسات الحقوقية العربية والدولية لتأخذ دورها في دعم القضية الفلسطينية ونصرة شعبنا المظلوم، ولتتحمل مسؤولياتها المتعلقة بحماية المدنيين وتوفير كل ما يلزم لمواجهة وباء كورونا وضرورة رفع الحصار الجاثم على صدور أهلنا في غزة".
وماذا بعد؟
يبدو أننا أمام سيناريو مختلف هذه المرة عن المرات السابقة، على اعتبار أن قطاع غزة دخل مرحلة جديدة بعد دخول كورونا، وبات الفايروس يعيش بيننا ويقضم مقدراتنا ويصيب شعبنا الذي بات على قناعة بالمواجهة أكثر من أي وقت مضى؛ لكن السؤال: هل ستقف الأطراف صامتة متفرجة أم أننا على أعتاب مرحلة جديدة؟

