على بعد ستة أيام من الحجر الإلزامي الذي يخضع له الكل الفلسطيني في قطاع غزة على اختلاف أشغالهم بعدما أصاب الوباء المجتمع، إلا أن هناك فئة لا بأس بها تعيش أياما حالكة بالمعنى الحرفي للكلمة، فقد تسبب لها الوباء بوقف تام لأرزاقهم اليومية.
"العمال" وأرباب البيوت وأصحاب المهن المرتبطة بخروجهم من البيت وبذل الجهد والاجتهاد في الاسترزاق، هذه الفئة الكبيرة من الناس كشر لهم الوباء عن أنيابه وفضح ستر بيوتهم المتعففة بلقمة اليوم، وتركهم يصارعون الوقت والأخبار دون بصيص أمل ثالث.
وتبعا للأخبار المتوالية عن تفشي الفايروس في الوسط الفلسطيني، ومكافحته بإحكام السيطرة عليه من خلال الإغلاق وفرض حظر التجوال مع تطبيق بعض العقوبات المصاحبة للمخالفين، فإن إحباطاً أقام قواعده في قلوب العمال الذين لا حيلة لهم غير الأمل.
سواد الحصار والوباء
"خبي قرشك الأبيض ليومك الأسود"، طرح السائق الأربعيني محمود حجي مثلا شعبياً وتعجب متسائلاً: "إذا كنا سنخبئ قروشنا البيضاء لأيامنا السوداء فأي الأيام التي عشناها في كنف الحصار أربعة عشر عاماً ستكون بيضاء؟، وهذه الأيام ضمن أي رزنامة تحسب؟".
السائق حجي والذي يبدأ يومه بعد صلاة الفجر لنقل مجموعات من طلبة المدارس ورياض الأطفال من بيوتهم إلى أشغالهم والعكس، توقف برنامجه اليومي تماماً وتوقف رزقه الذي يحمله إلى أهل بيته يوماً بيوم أيضاً فجأة ودون سابقة إنذار، فالوباء وقف على مقربة من أنفاس المواطنين حتى أوقف حياتهم بالكامل.
جائحة كورونا المتفشية داخل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة ستؤتي أكل أربعة عشر عاما من مقاومة الحصار المفروض على قطاع غزة، وبذلك تكتمل حلقات الخناق الصحي والاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع الفلسطيني في غزة دون التفاته حقيقية من العالم المجاور والاستجابة الحقيقية برفع أو حتى تخفيف حدة الحصار.
أما عن المواطن محمد الشوبكي والذي يعمل ضمن نظام اليومية في أحد مخابز القطاع، فقد أوقفته أزمة "كورونا" عن العمل، وتركته في مهب صراع مع انقطاع لقمة عيشه التي تقيم عمران بيته وتستر جوع أطفاله الخمسة.
يقول الشوبكي في حديثه لوكالة "الرأي" :"نحن ندعم الجهود المبذولة لمواجهة جائحة كورونا لكن نحن كيف سنتدبر أمور حياتنا اليومية، والتي أصبحت مقتصرة فقط على لقمة اليوم دون حمل أعباء اليوم التالي، والذي يمكن أن تكون تغيرت الأحوال أو حتى ازدادت سوءا".
خطر حتمي
نسبة العاطلين عن العمل في قطاع غزة قبل تفشي وباء "كورونا" بحسب مركز الإحصاء الفلسطيني للربع الأول من عام 2020 بلغت 46%، أي بواقع 211,300شخص، إلا أن هذا الرقم أصبح مضاعفا وكبيراً جدا نظراً لتوقف جميع القطاعات بكافة أنواعها الشاملة للقطاعات الحكومية والخاصة والأعمال الفردية.
زلزالاً اقتصاديا واجتماعيا وصحيا أصاب غزة بعدما أصيبت بوعكة صادمة، بعد فرض حظر التجوال وتطبيقه على كافة مناحي الحياة المعيشية، ما أعاق آلاف أرباب البيوت عن تحصيل لقمة عيشهم وحرمان ذويهم من العيش بالحد الأقصى من مقومات الحياة.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر قالت إن نظام الرعاية الصحية في قطاع غزة لن يكون قادرا على التعامل مع أكثر من بضع عشرات من مرضى كورونا.
وأضافت في بيان أن مثل هذا العلاج يتطلب معدات طبية ومخبرية ومستلزمات خاصة وأدوية غير متوفرة في المستشفيات والمراكز الصحية بكميات كافية.
وقال البيان إن سكان غزة "يعيشون تحت ضغوطات شديدة ويشعرون بالتوتر، وتفاقمت مخاوفهم بشأن فيروس كورونا بشكل كبير، وهم الآن قيد الإغلاق".
الجدير بذكره أنه منذ مساء الاثنين، فرضت السلطات الحكومية في القطاع حظرا شاملا على التجوال لمدة يومين، ضمن إجراءات مكافحة الفيروس، عقب إعلان اكتشاف إصابات وسط القطاع.

