على بعد ثمانية أشهر من انتشار الوباء في العالم، كان قطاع غزة قد خصص قوة مدروسة ودقيقة لعدم السماح باختراقه للحياة المجتمعية والاقتصادية الهشة والضعيفة والمزدحمة، في حين نجح الوباء بالانتشار بعد محاصرته داخل أماكن الحجر الصحي المخصص لاستقبال العائدين من الخارج، "والذين ثبتت إصابتهم بالفايروس من عدمه" بمدة لا تقل عن واحد وعشرين يوما.
اليوم وفي ظل انتشار الجائحة في قطاع غزة لم تعد هناك فرضيات وسناريوهات متوقعة عدا ارتفاع الأرقام لما هو أسوء، لتكن غزة وبعد خلوها من الوباء على حافة الوقوع في كارثة صحية يصعب الخروج من حفرتها إلا بخسائر فادحة، لذا فقد وقع الرهان على وعي المواطن وتحمله المسؤولية، فهو البوصلة الأولى التي يمكن من خلالها تخطي المرحلة بنجاح.
كلمات أخيرة
الأطباء وعلى مدار عشرة أيام منذ بداية أزمة "كورونا" وهم في حالة استنفار استثنائي، بعضهم دوّن وصيته وكتب كلماته الأخيرة لأسرته وأطفاله، فهو الشخص الوحيد الذي سيعرض حياته للخطر بلا هوادة لأجل أن تعيش نفس أوقعها "الفايروس" في شباكه، وهو الشخص الأول المعرض للإصابة بالعدوى دون اعتقاد آخر.
طبيب الأطفال بمستشفى النصر محمد خميس مودد، تأكدت إصابته بالفايروس بعد ظهور نتيجته موجبة، الأمر الذي اضطر الطب الوقائي بحجره في مستشفى الأوبئة بعد انقطاعه عن أسرته لمدة لا تقل عن عشرة أيام.
مودد وهو طبيب العناية بمستشفى الشفاء سابقا، قال :"نحن في واجب وطني وإنساني، إن لم نكن متطوعين فنحن مجبرين على أداء مهامنا رغم خوفنا وقلقنا على أهلنا وأطفالنا وزوجاتنا فنحن بشر مثلنا مثل أي ناس، فكونوا على قدر من المسؤولية والوعي لنتجاوز هذه الأزمة بأسرع وقت ممكن".
أما عن الطبيب محمد مناصرة فقد دوّن على صفحاته كلمات أراد منها إيقاف سلسلة الادعاء بعدم خطورة الوضع بقوله: " الآن اقتربنا من 500 حالة، ومع توسيع الفحوصات؛ العدد المرصود سيرتفع أضعافا، ويمكن أن تكون هناك حالات خفية داخل المجتمع لا أحد يعلم بها، بينما وصل قرابة الـ20 مريض إلى حالة الخطر والبعض منهم توفى".
بالعامية ناشد الطبيب مناصرة كل متهاون بحجر نفسه وأطفاله داخل بيوتهم، "يا جماعة المستشفيات مش حتقدر على كل هاد العدد من الناس، بلاش الأجهزة والإمكانيات، أنا بحكي عن الأهم من الأجهزة، بحكي عن الأطباء والممرضين بسبب انتشار الموجة، اللي جزء كبير جداً من سببها هو حضرتك اللي مش قادر تقعد، بسببها الأطباء والممرضين يصابوا ورا بعض وبيروحوا على الحجر ورا بعض، معناه أنه كمان كم يوم، المستشفيات رح تشتغل بأقل من ثلث الطواقم، يعني مش رح تلاقي حد يعالجك!"
وحذر الطبيب مناصرة فئة المستهترين من الناس بقوله :" تعرف شو اللي بخوف أكتر من إنك تُصاب إصابة خطيرة؟، الي بخوف أكتر هو إنك تقف بين يدي رب العزة _ جل وعلا _ وتلاقي حالك تحاسب عن حياة إنسان مسكين أنت ورطته بالمرض ونقلت له العدوى وقلبت كيان أسرة كاملة مالها ذنب بإهمالك واستهتارك" خاتما بالعنوان العريض للمرحلة "خليك بالبيت".
غلطة الشاطر بـ1000
ولم يتخلى طبيب جراحة العيون بمستشفى العيون التخصصي محمد حلس عن مناشدة المواطنين بالتزام بيوتهم وتأكديه على ان المرحلة الحالية ترتكز على وعي المواطن ومدى تحليه بالمسؤولية الاجتماعية تجاه أسرته وعائلته وأبناء وطنه.
يقول الطبيب حلس :" مرحلة اليوم هي مرحلة اكتساب أكبر قدر من الوعي والمسئولية من جميع أفراد المجتمع، شيوخ ، شباب ،نساء ، أطفال، وهي مرحلة تفادي أقل الخسائر البشرية والمادية والمعنوية حتى، تمهيدا للمرحلة المقبلة وهي مرحلة التعايش مع المرض"، مشيراً إلى أنه قد يكون مبكراً جدا الخوض في الحديث عن هذه مرحلة التعايش، ولكن مؤشرات وإحصائيات العالم القوي أجمعت على هذه المرحلة الحتمية في الوقت الحالي على الأقل لحين بزوغ أمل اللقاح المنتظر.
وأكد طبيب العيون حلس أنه وفي قانون كورونا غلطة الشاطر بألف، فيمكن لحامل المرض نشر الوباء دون ظهور أعراض عليه وهو بذلك ينشره دون وعي منه ولا علم، وأصحاب المناعة الضعيفة سيقعون في شباك الوباء والموت في آن واحد، لذلك البقاء في البيوت أكثر أمناً في هذه المرحلة الحرجة.

