مع ساعات الصباح الباكر، ينشط مزارعو الحمضيات بالتنقل بين الأشجار المزروعة في أراضيهم، لقطف الثمار التي أكملت مراحل النضوج والتي تتلألأ بقطرات الندى التي تعكس أشعة الشمس وكأنها ذهب.
ويوفر موسم حصاد الحمضيات سنوياً فرص عمل مؤقتة لمئات العاطلين عن العمل في ظل ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة.
وكانت وزارة الزراعة قد افتتحت أمس الثلاثاء موسم جنى الحمضيات للعام 2020 في أرض الريس وسط قطاع غزة.
وكيل وزارة الزراعة إبراهيم القدرة أكد أن وزارته تقف إلى جانب المزارع من خلال توفير عدد من احتياجاته، بهدف مقاومة الاحتلال الإسرائيلي المستمر في سياسته الإجرامية والرامية إلى تدمير الأراضي الزراعية"، حيث تم زراعة آلاف الدونمات بالحمضيات المختلفة لسد احتياجات سكان القطاع منها.
وأشار القدرة إلى أن وزارته تسعى لدعم المنتج المحلي وحماية المزارع من حيث سن قوانين من اجل حماية المنتج المحلي ودعم المزارع الفلسطيني ضمن سياسة إحلال الواردات محل الصادرات وانتهاج سياسة الاقتصاد الزراعي المقاوم، كما تعمل وفق خطط معدة من قبل عدد من المعنيين بهدف الوصول إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي
وقال:" إن استهداف شجرة الحمضيات تحديداً سياسة قديمة ينتهجها الاحتلال لأنها شجرة عريقة تعبر عن تاريخ وتراث الشعب الفلسطيني على أرضه منذ الأزل"
وتابع قائلاً:" تمكنا من سد قرابة 80% من احتياجات سكان القطاع من الحمضيات"، لافتاً إلى أن الإنتاج من عام لآخر متذبذب بسبب ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة وشح المياه وملوحتها، مشيرا أن شجرة الحمضيات تواجه العديد من التحديات منها تجريف الأراضي الزراعية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، إضافة الى التوسع العمراني وشح المياه.
ومن المتوقع أن نصل إلى الاكتفاء الذاتي من الحمضيات خلال سنوات قليلة، فالمنتج متوفر في الأسواق الآن وبأسعار مناسبة جداً للمزارع والمستهلك، وهناك العديد الأصناف المتوفرة الآن: أهمها أبو صرة – شموطي – مخال – كلمنتينا – جريب فروت – بومليت... ليمون، وأصناف أخرى " حسب القدرة".
الذهب الأصفر
بدوره؛ قال سمير ناهض الريس إن شجرة الحمضيات والتي تنتج الذهب الأصفر عبر عقود عديدة في قطاع غزة تعرضت إلى هجمة شرسة من قبل الاحتلال البغيض الذي حارب هذه الشجرة من سنة 1967م حيث وضع الاحتلال العراقيل أمام تصدير الثمار التي كانت تصدر إلى الدول الأوروبية والعربية لأنها كانت منافسة لمنتج الاحتلال.
وبين الريس في حديثه " للرأي" أن شجرة الحمضيات تعد العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني في قطاع غزة من هنا بدأت الحرب المسعورة على هذه الشجرة بعدم السماح للمزارع الفلسطيني بزراعات جديدة واختلاق طرق آمنة لشق قلب البيارات وعدم حفر آبار مياه جديدة.
وتابع القول "البيارة كانت مجاورة لما كان يسمى في السابق مستوطنة نتساريم وهو ما جعلها تتعرض لأكثر من مرة للتجريف، إلا أن والدي كان مصممًا على أن يعيد زراعتها من جديد بأشجار الحمضيات".
وأضاف: "إصرار والدي غرس فينا ثقافة المقاومة والتمسك بالأرض، فوالدي كان يعد الزراعة نوعًا من أنواع المقاومة، وأن من يزرع الشجر يثبت أقدامه في الأرض التي هي ملكه وليست ملك أي أحد آخر".
وأكد الريس أنه كان يلمس اهتمام والده بالأرض من خلال اعتنائه الشديد بها والإصرار على زراعتها في كل مرة كانت جرافات الاحتلال الإسرائيلي تجرفها، لافتًا إلى أن هذا الأمر غرس في الجميع حب الأرض وضرورة المحافظة عليها.
وبين أنه رغم تجريف الأرض أكثر من مرة إلا أن مساحة البيارة لا تزال كما هي منذ القدم، إلا أن ما اختلف هي الأصناف المزروعة فيها، حيث تم استبدال البلنسيا بالمخال، والجرفوت بالبومليت وزراعة أصناف محسنة عن الحمضيات.
وقال: "نحن محافظون على الإرث ونحن حتى الآن ما زلنا على قلب رجل واحد ومتمسكين بالمحافظة على هذه الأرض".
وأشار الريس إلى أن هذه الأرض تعرضت هي الأخرى للتحديات التي واجهتها الأراضي الزراعية في قطاع غزة، لافتًا إلى أن تكلفة العناية بأشجار الحمضيات مكلفة للغاية، كما أن المبيدات اللازمة لها قد لا تعطي التأثير المطلوب من أول استخدام، وهو ما يدفعهم لشراء المزيد منها وبالتالي زيادة تكلفة العناية بها، بالإضافة إلى أن القدرة الشرائية في الأسواق في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية ليست عالية.
وعن الإصرار في زراعة الأرض بالحمضيات شدد الريس بالقول:" المسألة مسألة مبدأ أساسًا، والبيارة إذا اكتفت ذاتيًا من ناحية المصاريف، فنحن لا نبحث عن الربح من ورائها"، معبرًا عن أمله في أن تتحسن الأوضاع في إطار الأحاديث عن المصالحة والانفراجات التي قد تُحسن قدرة الناس الشرائية".

