الاغتيال المعنوي، ربما يكون أقسى وأشد وطأة من الاغتيال الجسدي؛ فقد يُغتال الشخص جسديًا، فيصبح بطلاً في نظر الناس، أو يتعاطفون معه لأي سبب كان، ولكن في الحالة الأخرى، فالشخص يظل على قيد الحياة تلاحقه صورة ذهنية غاية في السلبية والتشويه، بل يصبح مرفوضًا، أو منبوذًا بين مجتمعه.
واضح أن الاحتلال وأعوانه في المنطقة أصبحوا يدركون ذلك، ومع تطور أجيال الحروب، ودخول الجيل الرابع على خط المواجهة، وجوهر تعريف الجيل الرابع من الحروب هو العمل على زعزعة استقرار الخصم وصولاً لإفشاله وذلك يتم بأدوات قريبة من الخصم مثل الإعلام الجديد، المجتمع المدني، الإعلام التقليدي، أجهزة الاستخبارات، الطابور الخامس (العملاء).
وعليه بدأت تعمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على ممارسة هذا النوع من الحروب مع الشعب الفلسطيني وقادته وفصائله، وهذا يأتي ضمن استراتيجية كاملة متكاملة تقوم على استهداف الجميع بدراجات مختلفة.
وكانت وزارة الداخلية والأمن الوطني، أعلنت في 3 يوليو من العام الماضي، عن تمكن الأجهزة الأمنية من اكتشاف واعتقال خلية مُوجّهة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، خلال قيامها بعمل تخريبي ضد عناصر المقاومة.
زيادة الفجوة
الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني أوضح أن من أهم الوسائل التي يستخدمها الاحتلال حاليا ضد قطاع غزة هي سياسة الاغتيال المعنوي للقادة، حيث يحققون من وراء ذلك هدفين مهمين وهي زيادة الفجوة بين قادة الفصائل والشعب، عبر بث الإشاعات واستغلال بعض الأخطاء وتضخيمها وتسليط الضوء عليها، والأخر هو إعادة تعريف المواطن الصالح بالنسبة لدولة الاحتلال، فبكثرة استهداف القادة والفصائل يصبح عدم الانتماء السياسي، والعزوف عن الوطن والوطنية هي جوهر تعريف المواطن الصالح.
تعريف وأشكال الاغتيال المعنوي
وعرف الدجني الاغتيال المعنوي بأنه هو تسليط الضوء على شخصية قيادية واستغلال أي خطأ أو ثغرة هنا أو هناك وتسليط الضوء عليها مع تضخيمها وخلق الأكاذيب المنسجمة والمتوافقة مع هذا الخطأ أو ذاك، وهذا يطبق على شريحة عريضة من القادة ومن كل الفصائل الفلسطينية والهدف هو أن يكفر الرأي العام بالحركة الوطنية ككل، وبذلك يسهل تدجين المجتمع وتمرير أهداف الاحتلال.
وعن أدواته قال الدجني :" وسائل وأدوات التنفيذ لعملية الاغتيال المعنوي تقوم على ثلاثة أمور وهي الاتصال المباشر بالدائرة الأولى للقائد وتهديده بالاغتيال، وهذا يؤثر على معنويات عائلته وينعكس سلباً عليه، والثانية تعتمد على الاستهداف عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال تأسيس صفحات وحسابات وهمية بأسماء فلسطينية، وضخ عشرات الشائعات عن هذا القائد أو ذاك وعن هذا الفصيل أو ذاك، في المحصلة كل ما هو فلسطيني مستهدف، ومع قوة الشائعة وفي ظل بيئة الانقسام تنتشر هذه الشائعات كالنار في الهشيم، وتصبح حقائق لدى جزء من الوعي الجمعي الفلسطيني.
وتابع القول:" الأمر الثالث من أدوات الاغتيال المعنوي هو الاستهداف المؤسساتي، أي بمعنى صناعة شبكة مؤسسات صحفية أو بحثية والطلب من بعض الباحثين أو الصحفيين أو النشطاء تقديم شبهات الفساد الفصائلي قادة أو عناصر أو مؤسسات، واستكتابهم مقابل أجر مادي، وتصل أحياناً إلى تقديم معلومات ميدانية لهؤلاء لنشرها وتقديمها للرأي العام".
آليات المعالجة
وحول آليات المعالجة شدد الدجني أن أهم آليات المعالجة لهذه الآفة الخطيرة التي تساهم في تحقيق الهزيمة الداخلية للشباب الفلسطيني هي إنهاء حالة الانقسام والتيه السياسي الذي تعيشه القضية الفلسطينية، بالإضافة إلى التحصين المجتمعي من خلال ميثاق شرف تشارك فيه كافة الفصائل لا سيما فتح وحماس، للحفاظ على شرف الخصومة ورسم الخطوط الحمراء من جديد، لأن المستهدف المشروع الوطني وليس فصيلاً أو قائداً بعينه.
وبين أن زيادة الوعي السياسي في المدارس والجامعات والمساجد، وبناء منصات وصفحات على مواقع التواصل لتعزيز الوعي السياسي والتحصين المجتمعي ودحض الشائعات وتثقيف القادة وذويهم وضبط إيقاع تصريحاتهم الإعلامية وسلوكهم الاجتماعي بما يتوافق وحالة العوز والجوع والفقر التي يعاني منها شعبنا يعد من أهم الوسائل المعالجة للاغتيال المعنوي.
عمليات نفسية
بدوره، لفت الخبير الأمني محمد أبو هربيد ؛ إلى أن "الاغتيال المعنوي" جزء من العمليات النفسية التي تشنها مخابرات الاحتلال، من خلال ضخ الكثير من المعلومات المفبركة والمزيفة الهادفة إلى تشويه صورة الأشخاص التابعين للمقاومة، وعزلهم مجتمعيًا.
ونوه "أبو هربيد" إلى أن الاحتلال يوظف هذا الأسلوب، ضمن العمليات الاستخبارية التي يقوم بها، دون اللجوء إلى استخدام السلاح والدخول في مواجهة عسكرية لا يرتضيها.
وأشار أبو هربيد إلى أن الاحتلال ركز بعد العدوان الأخير عام 2014 على العمل الاستخباري تحت واجهات مختلفة؛ لتهديد عدد من المقاومين عبر ستار تنظيمات متشددة من الخارج، أو لصوص، أو تجار مخدرات، وعصابات "مافيا".

