بعد مغيب الشمس تغدو الطرق الرئيسية بالضفة المحتلة موطناً لقطعان الكلاب المتوحشة، ولكن هيهات ليست تلك الكلاب التي نعهدها، إنما من نوع يتشكل على هيئة مجموعات من المستوطنين المنتشرين على مفترقات الطرق وبين القرى والمخيمات، يسخرّون من أشكالهم وسلاحهم أداة لإشعال الرعب والخوف في قلوب الأطفال وعائلاتهم.
حتى أن الطرق رغم أنوارها التي لا تنطفئ إلا أنها لم تعد آمنة، فيمكن أن تحظى عائلة كاملة بنصيب لا بأس به من الخوف والرعب والإصابة بالجروح، وحتى يمكن أن تقع في فخ الموت المحقق إن لم تتمكن من الهروب في لحظة واحدة.
كل هذا بسبب تخلي قوات الاحتلال عن قناع الإنسانية وتقلد دور الافتراس لكل ما يسمى فلسطيني، دون سبب مبرر ودون ذريعة مصطنعة ودون ما يظهر أسباب فعلتهم الشنيعة بحق أي مركبة آمنة تمر عبر طريق مفتوح لا مشاكل فيه.
قطعان المستوطنين ليلا يجدون المتعة الخالصة في نفوسهم حينما يصطادون بالحجارة رأس طفل أو وجه امرأة أو سماع صراخ أبيهم خوفا على عائلته من مكروه محقق سيصيبها، وقتها يتضاعف الضحك وترتفع أصواتهم بالسخرية على طفل بكى خوفاً ونزف وجهه دماً.
صدمة عائلية لم تختفي
في الثامنة من مساء يوم الخميس الماضي، سلكت عائلة صوافطة طريق مدينة رام الله حيث تقيم، نحو مدينة طوباس حيث مسقط رأسها، عاشت خلالها رعبا حقيقيا، لتنجو من الموت بأعجوبة.
فعندما وصل صوافطة برفقة زوجته وطفليه جاد (3 سنوات) ومجد (6 سنوات)، على مقربة من قرية برقة شمال شرق رام الله، فوجئوا بهجوم بالحجارة شنه المستوطنون على مركبتهم، وأصابوا الطفل جاد ووالدته بجروح.
يقول صوافطة إلى أن جميع من في المركبة كانوا ظاهرين لمن خارجها، كونها كانت مضاءة من الداخل في تلك اللحظة، لأن طفله جاد كان يبحث أسفل المقعد عن كيس "البامبا" خاصته.
ويضيف صوافطة إن "الأجواء كانت معتمة، وعندما وصلنا مفرق القرية، أضاء شخص لنا من بعيد بكشاف، اعتقدت أنه شرطة إسرائيلية وبادرت للتخفيف من السرعة حتى الوقوف، فإذا بمستوطنين اثنين يحيطان بالمركبة، أراد أحدهم فتح الباب بقوة، بينما راح الأخر يضرب بقدمه مقدمتها".
لم يتمكن المستوطنان من فتح المركبة، لتنصدم العائلة بمهاجمتها من قرابة عشرين مستوطنا آخرين بالحجارة ما أدى لتحطيم زجاج المركبة، وهذا بدوره دفع صوافطة للضغط على دواسة البنزين والهروب من الموت المحقق لعائلته بأعجوبة، وفق قوله.
ويؤكد أنه سار بالمركبة أثناء تساقط حجارة المستوطنين عليها أكثر من 100 متر، حتى وصل تجمعا لجيش وشرطة الاحتلال، فأوقف المركبة وطلب إسعاف طفله جاد الذي أصيب بوجهه وزوجته التي أصيبت بحجر في يدها.
"المستوطنون نسفوا كل مخططاتنا للاحتفال بالذكرى السنوية الثالثة لميلاد جاد، كان المخطط أن نحتفل بميلاده مع العائلة بطوباس يوم الجمعة، لكن اضطررنا للعودة إلى مدينة رام الله حيث جرى إسعافه بمجمع فلسطين الطبي"، يضيف صوافطة.
ويتابع والد الطفل: "للمرة الأولى أشعر بالرعب على عائلتي، لم أتعرض لمثل هذا الهجوم من قبل، كانوا على قدر كبير من الوحشية ضد الأطفال، كان الموت أمام أعيننا، هربت بسرعة من الموت أنا وعائلتي".
تلك الحادثة لم تكن الأولى ولا الأخيرة ولا الوحيدة من نوعها، إنما تكرر ذات المشهد مع عدد من العائلات أثناء عودتهم الآمنة إلى بيوتهم، وإلا فكيف قتل الطفل أحمد أبو خضير حرقاً؟، وكيف قتلت عائلة الطفل أحمد الدوابشة وكيف خطف الأطفال من أمام بيوتهم في الضفة المحتلة، دون محاسبة ودون تحقيق دون ضبط لقطعان المستوطنين المنتشرين في شوارع الضفة المحتلة بلا سبب سوى لتنفيذ هجمات جنونية على الأطفال وعوائلهم العزل.

