أحيا الفلسطينيون “يوم الطفل الفلسطيني”، الذي صادف أمس، بذكراه السادسة والعشرين، في ظل مواصلة الاحتلال الإسرائيلي استهداف الطفولة الفلسطينية والمساس بحقوقها الأساسية في الحياة والتعليم والصحة والحرية والعيش بسلام.
وما تزال مساعي الاحتلال الكثيفة مستمرة لتجهيل الأطفال الفلسطينيين وكي وعيهم وإرادتهم؛ من خلال وضع العراقيل التي تمنع وصولهم إلى مدارسهم، واعتقالهم عند الحواجز العسكرية، وتدمير المنشآت المدرسية، فضلاً عن استهداف الكادر التعليمي.
ومنذ مطلع العام الجاري، وحتى نهاية شهر آذار/ مارس 2021، اعتقلت سلطات الاحتلال نحو (230) طفلًا، غالبيتهم من القدس، حيث تُشكل عمليات اعتقال الأطفال في القدس، من أخطر القضايا التي تواجه المقدسيين، جرّاء عمليات الاستهداف الممنهجة والمتكررة للأطفال، والتي غالبًا ما يتم الإفراج عنهم إما بكفالات، أو بتحويلهم إلى "الحبس المنزلي"، حيث حاول الاحتلال على مدار السنوات القليلة الماضية، بتحويل منازل عائلات الأطفال في القدس إلى "سجن"، وتركت هذه القضية تحديات كبيرة على صعيد العلاقة بين الأطفال وعائلاتهم، وعلى مستوى المجتمع في القدس.
وتتواصل الانتهاكات المنظمة بحقّ الأطفال بعد نقلهم إلى السّجون، واحتجازهم في ظروف اعتقالية قاسية، فيها يحُرم الطفل من متابعة دراسته ومن حقّه في أن يحظى برعاية عائلته، خاصّة المرضى والجرحى منهم، فهناك عدد من الأطفال ممن أُصيبوا برصاص الاحتلال سواء خلال عملية اعتقالهم، أو قبل اعتقالهم، أو ممن يعانون من أمراض، فإنهم يواجهون جريمة أخرى، وهي سياسة الإهمال الطبي (القتل البطيء)، بما فيها من أدوات مختلفة.
مركز فلسطين لدراسات الأسرى، أكد بأن قوات الاحتلال تستهدف الأطفال الفلسطينيين بالقتل والاعتقال بشكل متعمد بأوامر مباشرة من أعلى مستوى سياسي وأمني لدى الكيان، حيث تواصل عمليات التنكيل والاعتقال والتعذيب بحق الأطفال بشكل يومي.
وأوضح الباحث " رياض الأشقر" مدير المركز، في تقرير بمناسبة يوم الطفل الفلسطيني الذى يصادف الخامس من نيسان أنه على الرغم من أن الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وتحديداً اتفاقية حقوق الطفل، شددت على ضرورة توفير الحماية للأطفال ولحياتهم وتوفير فرص النماء والنمو، إلا أن سلطات الاحتلال جعلت من اعتقال الأطفال الفلسطينيين هدفا أولياً ، أقدمت على اعتقال الآلاف منهم منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية.
وأضاف "الأشقر" بأن الاحتلال لم يكتفى باعتقال الأطفال وتعذيبهم بل تعمد إصدار أحكام قاسية وانتقامية بحقهم، كذلك فرض غرامات مالية بحقهم ترهق ذويهم وتضاعف معاناتهم، مؤكدا بان ذلك ما كان ليحدث بهذا الحجم الا بضوء اخضر من أعلى المستويات السياسية والأمنية لدى الاحتلال.
140 طفل بالسجون
وأشار "الأشقر" إلى أن الاحتلال صعد بشكل كبير خلال السنوات الخمسة الماضية منذ اندلاع هبه القدس اكتوبر 2015 من استهداف الأطفال بالاعتقال، حيث وصلت حالات الاعتقال بين الأطفال منذ ذلك الوقت الى ما يزيد عن (7 آلاف) حالة اعتقال.
فيما تعرض جميع من اعتقل منهم الى الاعتداء بالضرب المبرح حين الاعتقال، والزج بهم في ظروف قاسية، في مراكز التوقيف والتحقيق ومارس بحقهم كل أشكال الانتهاك والتعذيب والضغط النفسي والجسدي.
ولا يزال الاحتلال يعتقل في سجونه 140 طفلاً موزعين على أقسام الأشبال في عوفر والدامون ومجدو، بينما يتواجد عدد منهم في مراكز التحقيق والتوقيف في ظروف قاسية للغاية، حيث أصيب عدد منهم بفيروس كورونا خلال وجوده في مراكز التوقيف بسبب استهتار الاحتلال بحياتهم .
انتهاكات مستمرة
وتواصل إدارة السجون اجراءاتها التنكيلية والتعسفية بحق الأطفال الاسرى وابرزها عمليات الاقتحام والتفتيش لغرفهم وأقسامهم في مجدو وعوفر من قبل الوحدات الخاصة القمعية، والتي لا تتورع في الاعتداء عليهم ورشهم بالغاز وعزل عدد منهم وتفتيش غرفهم وتخريب أغراضهم الشخصية.
فيما يحرم الاحتلال العشرات من الاطفال من زيارة ذويهم او من زيارة المحامي الخاص بهم، اضافة الى تعرض الأطفال منذ اللحظة الأولى للاعتقال للضرب والاهانة وأساليب التعذيب العنيفة والقاسية المنافية للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، قبل أن يتم نقلهم الى مركز التحقيق والتوقيف التي تفتقد الى كل مقومات الصحة العامة، ولا يتوفر فيها أدنى أشكال الرعاية.
مع استمرار المعاملة السيئة من قبل السجانين والمحققين الذين يتعاملون مع الأطفال كإرهابيين ويوجهون لهم الشتائم والتهديدات بشكل مستمر ويذيقهم أصناف العذاب والمعاملة القاسية والمهينة من ضرب وشبح وحرمان من النوم ومن الطعام، وتهديد وشتائم، وحرمان من الزيارة، ويستخدم معهم أبشع الوسائل النفسية والبدنية لانتزاع الاعترافات منهم .
وأكد الباحث " الأشقر" أن إدارة سجون الاحتلال لا تقيم وزناً لحياة الأطفال فهي تحتجزهم في أقسام وغرف لا تصلح للحياة الادمية، ولا تتوفر فيها أدنى سبل المعيشة الجيدة ، ولا الحد الأدنى من شروط الظروف الصحية المناسبة، وهذا كله يهيئ لانتشار الأمراض والأوبئة .
أطفال جرحى
وأشار "الأشقر" الى ان الاحتلال لم يتورع عن اعتقال العديد من الأطفال وهم مصابين بعد اطلاق النار عليهم، بل ومارس بحقهم التحقيق قبل ان يتم نقلهم الى العلاج، وواصل التحقيق معهم وهم غرف المستشفيات بشكل غير إنساني .
وكان آخرهم خلال الأسابيع الماضية اعتقال الفتى " أحمد فلنه" (17 عامًا) بعد اطلاق النار عليه، وأصابته بخمس رصاصات في جسده، وخضع لعدة عمليات جراحية وتم نقله الى سجن مجدو قبل ن يتماثل للشفاء وتم التحقيق معه في المستشفى
كذلك الفتى "عيسى الطيطي " (17 عامًا) من الخليل، والذى اعتقل بعد إصابته برصاص الاحتلال تسببت له بتشوهات في وجهه، وكسر في الجمجمة، وجرح بليغ في الرأس، حيث مكث فى مستشفى "هداسا"، لمدة ثمانية أيام، قبل نقله للسجون ، ولا يزال يعاني من اوجاع شديدة ويحتاج الى علاج ،وقد صدر بحقّه حُكمًا بالسّجن لمدة 13 شهرًا.
اعتداء ممنهج
مدير الاعلام في وزارة الأسرى بغزة اسلام عبده قال إن الأطفال المعتقلين في سجون الاحتلال يعيشون ظروف مأساوية صعبة للغاية في ظل عمليات التعذيب والتنكيل التي يتعرضون لها على أيدي سجانيهم، في محاولة لردعهم وتخويفهم لمنعهم من القيام بأي نشاط هنا أو هناك.
وبحسب ما ذكره عبده في حديثه للرأي فإن اعتقال الأطفال والتعذيب والتنكيل والاعتداءات المتواصلة بحقهم تتسبب في ظروف نفسية قاهرة، حيث تزرع بالطفل حالة سيئة تجعله إما انطوائي أو عدواني ويفقد ثقته بالآخرين وبالمجتمع ككل.
وتابع :" إن الاستهداف للأطفال من قبل الاحتلال مدروس ومخطط وممنهج له من قبل الاحتلال الاسرائيلي وليس عشوائي، وقد ازداد الاعتقال عقب اندلاع انتفاضة القدس، حيث بات الأطفال في مقدمة الاستهداف المباشر من قبل الجنود ".
وأضاف:" ان الاعتقال يتم من داخل المنزل أو من خلال الشارع والطريق حيث يكون الطفل ذاهب إلى مدرسته، أو يتم الاعتقال في ساعات الليل المتأخرة"، موضحا أن الطفل يتعرض للتعذيب والتنكيل مثل معاملة الأسرى الكبار.
وتمثل الإجراءات العقابية ضد الأطفال بعد الإفراج عنهم سواء بالحبس المنزلي، أو الغرامات المالية الكبيرة، حيث يجعل الاحتلال من الأهالي والأسرة بمثابة السجان للطفل وهو ما ينعكس سلبيا على نفسيته.
ولفت إلى أن دراسة أجريت مؤخرا على الأطفال الأسرى، وتبين من خلالها أن الأطفال الذين يتعرضون للضرب والتعذيب والتنكيل يجعلهم أكثر عدوانية وانطوائية من غيرهم نتيجة الظروف التي عايشوها داخل السجن.
ويعاني الأطفال الأسرى في السجون والمعتقلات من ظروف احتجاز قاسية وغير إنسانية، حيث يتعرضون لما يتعرض له الكبار من قسوة التعذيب والمحاكمات الجائرة، والمعاملة غير الإنسانية، التي تنتهك حقوقهم الأساسية وتهدد مستقبلهم بالضياع، بما يخالف قواعد القانون الدولي واتفاقية الطفل.

