أخبار » تقارير

ست ساعات عصيبة بانتظار الموت

"بابا..بابا"..المناجاة الأخيرة لأطفال اشكنتنا تحت الركام

29 آب / مايو 2021 07:34

ركام منزل العائلة
ركام منزل العائلة

غزة – الرأي:

كان الليل حينها قد أرخى سدوله على غزة، فيما كان سرب من الطائرات الحاقدة يغطي سماء القطاع المحاصر ليلقي بحمم صواريخه القاتلة فوق رؤوس الأبرياء من الأطفال والنساء.

وبينما كان كل بيت في غزة يأخذ نصيبه من القصف والدمار، كان رياض اشكنتنا يحاول أن يهدئ من روع أطفاله الذين كانوا يرتجفون رعباً من شدة الانفجارات المتتالية، أخذت الأم أطفالها برفق، أودعتهم قرب الحائط وحاولت تهدئتهم في محاولة لتنويمهم، إلا أن النعاس فارق أعينهم، فلا يمكن النوم تحت سمفونية قصف عشوائي لم يتوقف للحظة ما، ولا يفرق بين الحجر والبشر وبين الصغير والكبير.

المنزل الذي يقع في شارع الوحدة بغزة، كان يعتبره اشكنتنا بمثابة الأمن والأمان والهدوء، فجل قاطني المنطقة من الأطباء والمثقفين، فجأة ودون سابق انذار، اخترق وهج كبير لونه أصفر وأحمر حوائط المنزل، لم يعط أصحاب المكان لحظات للنفاد بأرواحهم وأرواح الأطفال التي رزحت تحت الركام في غمضة عين.

حاول الأب والأم انقاذ الأطفال، إلا أن جل حوائط المنزل انهالت في لحظات مارقة، لم يتمكنوا مع هول ما شاهدوه من الفرار من المصير الذي كان بانتظارهم، فرقدت أرواح الأطفال والأم تحت الركام وسكن كل ما في المكان، فقد أبت الصواريخ الا أن تفرق شمل هذه العائلة.

ست ساعات قضاها رياض اشكنتنا تحت الركام، بينما كانت أعمدة وحوائط البيت قد أصابته بالشلل، فلا يمكنه الحركة في مسافة صفر، تيقن هنا أن مصيره قد حان، حتى اخترق الى مسامعه صوت طفليه دانا وزين يناديان بصوت خافت، "بابا بابا"، وكأنهما يستنجدان بوالدهما بعد أن غطت أعمدة البيت جسديهما.

 شعور كبير بالعجز والألم سرى بداخله، كيف له أن ينقذ فلذات كبده وهو يرتمي تحت أكوام مهولة من حجارة الباطون لم تمكنه حتى من استنشاق هواء نقي، بعد أن اختنق من غبار الركام.

فجأة صمت وحدث نفسه:" يا الله ..انهما طفلاي زين ودانا..إنهما ما زالا أحياء وعلى قيد الحياة"، حاول أن يهدئ من روعهما موجها حديثه لهما، :" يا بابا.. مش قادر أجيلكم، ربنا معكم"، فقد كانت أعمدة الباطون تكبل صدره ويديه.

بعد دقائق مرت كلمح البصر، حاول أن يستمع مجددا الى حديث أطفاله، لكن الصمت كان سيد الموقف، تيقن معها أنهم أغمضوا أعينهم وللأبد، نعم..سكتوا مرة واحدة وفي آن واحد، خمسة من أفراد أسرته قضوا في لحظات، وخرجت أنفاسهم الى بارئها لتشكو إليه ظلم عدو قاتل.

أمام مشهد صمت زين ودانا وعجز الأب، جعله ذلك يستعجل من ملك الموت ليأخذ روحه بعد أن تيقن أن جميع أفراد أسرته غادروا الحياة دون رجعة، وكان على يقين أيضاَ أنه لن يخرج سالماً من تحت الأنقاض، حتى فوجئ بشخص ينادى:" هل من أحياء هنا؟"، استجمع هنا قواه وحاول إيصال صوته " نعم أنا هنا ومن ثم صمت".

"معجزة أنني خرجت من تحت الأنقاض، لم أكن أستطيع التنفس، كل دقيقة كنت أتمنى الموت، وأقول يلا يلا، أي يقصد قدوم"الموت، فقد كان الدم يسيل من جسدي واصبعي مقطوع والغبار دخل الى صدري"، يقول اشكنتنا.

بعد ثلاث ساعات عصيبة على قصف منزل العائلة، عثر رجال الدفاع المدني على ابنته سوزى الناجية الوحيدة من بين الشقيقات، جاؤوا بها لوالدها، احتضن طفلته التي كانت عودتها للدنيا بمثابة كمن رد اليه روحه، ودفعه للتمسك بالبقاء على قيد الحياة من أجل طفلته ذات الست أعوام.

سوزي والتي تبقت فقط من عائلة اشكنتنا، لا تزال تعيش صدمة القصف الشديد لمنزلها وصدمة فراق أشقائها، وتبكي على فراق والدتها التي كانت شديدة التعلق بها، فلم يبق لها سوى والدها لتستكمل معه حياتها التي لم يبدأ معه.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟