هُنا صرحُ التراث والتاريخ، ومن هنا تماماً مرّ طيف المهندسة "دعاء الحتة" عبر آلة الزمن، فأضحت هي التراث والتاريخ والذكرى للعمارة، نطقت بكل ما أوتيت من جهد باسم المعالم الأثرية لإحيائها، فتحولت لها الدائرة ونطقت باسمها الأماكن وبكتها الدموع والدماء والذكريات حتى أحيتها من جديد.
مهندسة العمارة الشهيدة "دعاء الحتة" صاحبة ثلاثة عقود ونصف من عمر الفداء، ذاك الاسم اللامع يعود لشخصية رصينة المبادئ، ثابتة الخطى في طريق يوصلها نحو معالم أثرية يفوق عمرها مئات السنين، فقد تمكنت من كونها السائح الأول الدال على تفاصيل التاريخ كي لا يُنسى بين جموع الطلبة وطالبي العلم.
بين أكناف وزارة الثقافة اتخذت المهندسة الشهيدة "دعاء الحتة" سبيلاً واضحاً ودليلاً أكيداً في ذاكرة التراث وإحياء معالمه، فأدارت قسم التراث ما يقارب على العشرة أعوام فكانت المرشد والمعلم والمهندس والسائح، بعدما عملت كمهندسة معمارية مشرفة على مشاريع ترميم في مركز إيوان للتراث بالجامعة الإسلامية.
صدقت رسالتها
حاولت "الرأي" ترجمة العاطفة الغريبة التي تفرض سيطرتها على صديقات وزميلات المهندسة الشهيدة إلى نص مكتوب، فكانت الكلمات تفتقر للتعبير عما يجوب في نفوس الصديقات والقريبات والزميلات، لكنها حاولت رغم فشلها الذريع.
بين درب القدس ودرب التراث خيط رفيع، فكانت الصديقة القريبة والتوأمة الأولى في حياة الشهيدة، الدكتورة سوسن النواجحة رئيسة دائرة القدس في وزارة الثقافة رفيقة الدرب واللحظات والرحلات والجولات والأهداف وذات الرسالة، ما أفرغ دموع الفراق على قلب "النواجحة" دون توقف.
"مداد الحبر لا يكفي للحديث عن المهندسة الشهيدة، الأم والمربية القائدة والسائحة والمرشدة وصاحبة الأخلاق الدمثة، هي الصديقة الصدوقة، وصاحبة رسالة صدقت في حملها على أكتافها"، لم تكتفِ "النواجحة" بوصف نفسها بالعاجزة عن وصف المهندسة، بهمتها وثباتها وأخلاقها وصدقها في حمل أمانة قدسها وآثار بلادها.
أباحت الصديقة "النواجحة" بجزءٍ من السر لـ"الرأي"، "نذرت الشهيدة المهندسة دعاء نفسها للمسجد الأقصى وهي اليوم شهيدة فداء لنصرة الأقصى، صدقت فصُدقت"، أما بقية السر الذي أضاء اسم الشهيدة بشعاع من نور فقد بقي سريرة بينها وبين الله، يُمكن يكشف مع الأيام.
آثار غزة تبكيها
على رأس مشروع إدارة مخاطر التراث الثقافي في أوقات الأزمات والكوارث، وقفت الشهيدة المهندسة "دعاء الحتة" في التدريب الأول من نوعه، والذي يركز على مهارات التعامل مع الأزمات المتعلقة بالممتلكات الثقافية، والتي تتضمن المواقع الأثرية والمباني القديمة والمقتنيات التراثية، من خلال تشخيص الواقع وتحليل المخاطر وتحديد حجمها وأولوية التدخل حسب حالة الممتلك الثقافي.
كما تميز المشروع بكونه استهدف قطاع هام وحيوي من الجهات المسئولة عن حماية الممتلكات الثقافية، حيث جمع بين أصحاب المجموعات المتحفية الخاصة والجهات الحكومية ذات الصلة المباشرة وهي وزارة الثقافة ووزارة السياحة والآثار، والذي ترأسته الشهيدة دعاء الحتة.
وحملت المهندسة الشهيدة على عاتقها أعباء مشروع إحياء الأواني الفخارية، في طريقة لإعادة الحياة للأواني الفخارية التراثية، لإبقائها على قائمة الموروث المتواجد في الحياة اليومية.
"ابتهاج الغرباوي" زميلة الهندسة للشهيدة، تحدثت لـ"الرأي" بقلب مكلوم يوجعه عِظم الفقد :"كانت لا ترد محتاج، ولا يخلو منها مكان إلا وسبقتها بصمتها في التطوير والإبداع، سبّاقة في كل ميدان، مبادرة في كل مشروع".
تبوح الغرباوي بكل ما أوتيت من كلمات، لكنها في كل مرة تتوقف وتقول بأنها عاجزة عن شمل سيرة صديقتها وزميلتها، ومن ثم تتابع بقولها: "كل مكان أثري بغزة هو يبكي رحيل دعاء، فهي المناصرة لكل قطعة أثرية تنادي بإحيائها من جديد، ولديها شغف لا ينضب، فلم تبخل بعلمها ولا بوقتها ولا بتربية أبنائها على حب الأرض وحتمية العودة".
حصلت الشهيدة المهندسة على دورات متقدمة في عمارة المباني الأثرية، وطريقة المحافظة على المعالم الأثرية في دولة مصر، ما زاد من حملها للمسؤولية في الحفاظ على أمانة الأثريات، بحسب زميلتها.
اختفى الصوت تماماً
في ليلة السادس عشر من شهر مايو الجاري _شهر الحرب وختام رمضان وقدوم العيد_، كانت ليلة محكمة الخوف والترقب لكل من يقطن قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، فلا ضمانات تكفل الأمان من ضربات الصواريخ العشوائية التي تستهدف البيوت والعمارات السكنية المأهولة بالآمنين.
لكن الطائرات الحربية كانت أكثر غدراً، فأغارت فوق البيوت الآمنة في حي الوحدة جملة واحدة، ضربات تفجيرية متوالية دون توقف، وما هي إلا ثوانٍ حتى تنفجر السماء بالنيران، أطنان من الصواريخ تحط على رؤوس البيوت معلنة الموت لكل شيء حي.
ثلاثُ بنايات سكنية كبيرة نُسفت بمن فيها دون سابق إنذار مع تزامن عقارب الساعة وهي تشير إلى الثانية عشر منتصف الليل، ما حوّل الحي إلى مدينة تشبه مدينة الأشباح، يعج فيها غبار الركام ويمتزج بعامود دخان النيران الأسود، أمّا دم الأبرياء فهو نهر جاري يتدفق تحت الأنقاض.
في إحدى تلك البنايات كانت تقطن "دعاء الحتة" وعائلتها، في بناية تعود لعائلة زوجها "الكولك"، وكأنها تشعر بأنها كانت القاضية، جلست بجوار زوجها واحتضنت صغيرها "آدم" أربعة أعوام في أحضانها، والشبل "زيد" ثماني سنوات اختبأ في حضن أبيه، أما طفليهما الكبير بقلبه "عزيز" عشرة أعوام فقد حشر جسده بين أمه وأبيه.
في ذات اللحظة أغارت الصواريخ على تلك البناية، وانهارت الجدران وسقطت البناية أرضاً، وارتقى الأطفال والنساء والرجال شهداء بالجملة، وارتقت المهندسة "دعاء الحتة" وزوجها "عزت الكولك" وأطفالها "آدم وزيد"، إلا أن "عزيز" بقي شاهداً حياً وحيداً على الجريمة.
"عزيز" كان حائلاً حياً بين أجساد إخوته وأبويه الشهداء لأكثر من عشر ساعات، يكبّر تارة ويُنطق والده الشهادة تارة أخرى، ويعلن بصوته المغبر بأنه لا زال حياً، فقد حجبت أمه وأبيه عن روحه لثام الموت، وتأكد من ارتقاء أمه بعد اختفاء صوتها تماماً عن التكبير.
لمع اسم الشهيدة "دعاء الحتة" في الأرجاء رغم تزاحم قصص الشهداء، وتركت خلفها ورثياً من روحها يكملُ دربها ويحمل صورة وجهها ليكمل الرسالة، وتركت طفلها "عزيز" حياً، أسمته صديقاتها بأنه عزيز الروح وأمانة دعاء لهم.

