"قتلوا إمي وأبويا وأخويا وأختي وسيدي وستي، بأي حق أنا صرت يتيم بدون أهل ولا عيلة، بأي حق خطفوا حلم أخويا ابن التوجيهي، بأي حق قتلوا أختي الي لسه ما طبق عمرها الـ12 سنة، بأي حق قتلوا أبويا الدكتور أيمن، وبأي حق قتلوا سيدي وستي، وبأي حق خلوا عمارتنا من أربع طوابق تحت الأرض؟"، أسئلة ليس لها إجابة صاح بها ابن العائلة الذي خرج حياً وحيداً من تحت الركام.
"عمر" نجل الطبيب الشهيد أيمن أبو العوف رئيس قسم الباطنة ومسؤول ملف مرضى كورونا في مجمع الشفاء الطبي، أتم ثمانية عشر عاماً من عمره، وما بعدها أصبحت أعواماً مجهولة الملامح رمادية اللون والشكل، حتى المستقبل أوصد أبوابه في وجهه صفعة قوية.
الليلة الأخيرة
كانت الساعة تشير بعقاربها إلى الثانية عشر منتصف الليل، وكان التاريخ يكتب نفسه في الخامس عشر من شهر مايو المنصرم، التاريخ الذي يربط نفسه بنكبة فلسطين عام48، دكّات الصواريخ الحربية كان يُسمع صوتها بالجوار، تمتمات استوداع الأم "أم توفيق أبو العوف" لأولادها وهمس الآيات من بين الشفاه استحوذت على وقت الليل الموحش.
مشهد الأمان لم يكتمل، وهمس الآيات توقف دون مقدمات، ولمة العائلة في الطابق الثاني من العمارة السكنية تفرقت بصاروخ حربي أول وثاني وثالث، والرابع أجهز على من بقي حيا، عدا عن شاهد واحد من العائلة، وحوّل العمارة على بُعد طابقين تحت الشارع، فتغدو "نكبة عائلة أبو العوف".
الوحيد الذي لم ينجُ من هذه الجريمة هو "عمر"، لم ينجُ بشيء يُذكر، حتى بطيف ذكرى تؤنس وحشة قلبه حينما يشتاق، لم ينجُ بدفتر يحتفظ فيه بخط أخيه الذي كان يطالع دروس الثانوية العامة على مسافة أسبوعين من الامتحانات النهائية، لم ينجُ بلعبة أخته التي كانت تسلي وقتها، لم ينجُ بأواني أمه ولا بملابسها، ولم ينجُ "عمر" من فقد أبيه الطبيب ولا حتى بمستندات تعيد في ذاكرته مجد أبيه وإخوته.
أكثر من اثني عشرة ساعة بقي "عمر" يحتضن جسد أخته الشهيدة، أنطقها الشهادة الأخيرة ورددت بصوتها الضعيف "لا إله إلا الله"، قبّل رأسها مراراً ومن فوق رأسه استقرّت ثلاث أسقف تعود للطوابق المدمرة، تأكد "عمر" من مفارقة أخته للحياة بعد عشر دقائق من توقف الصواريخ الحربية عن دكّها لهم.
اثني عشرة ساعة كان فيها الوداع طويلا جداً تحت أنقاض البناية، وكان "عمر" يغط في نومه كأنه يحلم، وما أن يكمل حلم الفاجعة في رأسه المفجوع، حتى يقطع عليه صوت يأتي من فوق الأرض يُنادي: "في حد عايش هنا؟"، يلملم "عمر" ما بقي من أنفاسه المختنقة بالغبار والدخان ورائحة الدم، يشدها ويرد: "أنا ضايل عايش طلعوني!".
على مسافة قريبة منه كانت تجلس أمه، وفي انتقالهم من فوق الأرض إلى باطنها انتقلت أمه معهم، سمع "عمر" صوت أمه تنطق الشهادة الأخيرة وتشهق آخر أنفاسها، يتحسس بسمعه أنفاس عائلته عله يجد من بقي حياً معه، لكنه لم يجد إلا نفسه.
قبل ضربات الغدر الحربية، كان أبيه مستلقياً في غرفة نومه، ومع تناثر البناية ومن فيها لم يعلم "عمر" أين استقر جسد أبيه، لكنه كان متأكداً من استشهاد والده الطبيب.
الليلة الأخيرة لـ"عمر" كانت برفقة عائلته تحت أنقاض العمارة، كانت الليلة الأخيرة الممتلئة بوجوه إخوته وأحاديثهم وصدى ضحكاتهم، وكانت ليلة أخيرة ممتلئة بالوداع إلى الأبد، المرة الأولى التي أطالت أخته النوم في أحضانه، وهي المرة ذاتها الأولى التي أطال النظر في وجه أمه النائم لاثني عشرة ساعة متتالية.
وهي آخر ليلة يُكتب لـ"عمر" أن يعيش وحيداً دون بيت يجمعه بأمه وأبيه وإخوته، دون بيت يتمشى فيه ويشير إلى الزوايا ليذكر طيف أبيه كيف كان هنا مستلقيا، ولن يجلس خلف مكتب شقيقه الذي كان يوصل الليل بالنهار ليكمل مطالعة دروسه تحضيراً لخوض الامتحانات، ولن يقف في المطبخ ليقول: "كانت أمي تمضي هنا ساعات طويلة لتعد لنا طعاما شهياً لم أذق مثله في حياتي!"، فقد مات حلم "عمر" برحيل ذكرياته وأغلى ما يملك في وجوده.

