في اليوم العالمي لمناهضة التعذيب، تُصر الأجهزة الأمنية بغطاء من السلطة الفلسطينية بالضفة المحتلة على إثبات وجودها وترك بصمتها الدموية في إحداث يوم فارق في التنكيل والتعذيب المفضي إلى الموت، حينما قضت أخيراً على الصوت الحر الذي يمتلكه الناشط السياسي "نزار بنات".
"أنا في أي لحظة ممكن أموت، مش مهم كتير، المهم أولادنا يعيشوا بعدنا بكرامة"، الناشط السياسي "نزار بنات" كان يعرف نفسه جيداً، وكان يوقن تمام اليقين طبيعة الثمن الذي سيدفعه لأجل كلمة حق في وجه سلطان جائر، فهو أعلم الناس بقانون الغاب الذي يحكم بلاده.
خفافيش الليل
فجر اليوم الخميس، وفي تمام الساعة الثالثة والنصف فجراً اقتحمت مجموعة مكونة من خمسة وعشرون مسلحاً من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة منزل "نزار بنات" بمدينة دورا الخليل، واعتدت عليه واختطفته إلى المكان المخطط له مسبقاً لتنفيذ خطتها بالقضاء الأخير على صوته.
تمام الساعة الخامسة فجراً، أي بعد ساعة ونصف فقط من اختطافه أعلن أنه قد توفي بعد تدهور صحته بأحد مشافي الخليل، وهكذا نفذت السلطة مخططها بالقضاء على حر جديد، لم يكن الأول ولا يبدو أنه سيكون الأخير.
التفاصيل المروعة التي سرعان ما تكشفت خيوط حقيقتها كالشمس لا تغطى بغربال، أضرمت ناراً الغضب في مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كانت منصة أساسية لـ"نزار بنات" بالظهور عبرها.
وتأتي جريمة تصفية واغتيال الناشط الحقوقي بنات بعد سلسلة من الاعتقالات والاعتداءات التي ارتكبتها أجهزة أمن السلطة بحقه في أوقات سابقة كان أخرها قبل شهرين حين قامت مجموعة من الملثمين بإطلاق النار على منزله، مما أدى الى إصابة زوجته الحامل.
وعلى إثر هذه الحادثة فقد حذر تجمع المؤسسات الحقوقية في بيانه الصادر بتاريخ 3/5/2021م من اغتيال وتصفية الناشط بنات بعد تلك السلوكيات التي تشير الى نية مبيته لدى أجهزة امن السلطة بالاغتيال.
"بالصوت العالي" التهمة الواضحة التي تكبد "نزار بنات" ثمنها بتصفيته بطريقة تشبه أعمال العصابات وقطاع الطرق، فكان واحداً ممن أعلى صوته بالمعلومات التي يمتلكها ويحاجج السلطة عليها علناً.
دولة عصابات
تجمع المؤسسات الحقوقية "حرية" استنكر جريمة مقتل "بنات" ، مؤكدا أن حرية الرأي مكفولة بموجب القانون الفلسطيني، واصفا التجمع جريمة القتل وما تقوم به أجهزة أمن السلطة من اعتداءات واعتقالات بحق الناشطين هو هدراً لكافة القيم والمبادئ والأعراف الفلسطينية.
كما ويمثل خرقاً واضحاً لميثاق الشرف الذي تم التوقيع عليه في العاصمة المصرية "القاهرة" والذي أكدت فيه الفصائل على حظر الاعتقال على خلفية سياسية وحظر استهداف نشطاء الرأي ونشطاء المجتمع المدني.
فيما علق المحلل السياسي أحمد الكومي على الجريمة بقوله إن السلطة الفلسطينية تُلحق فضيحة لقاحات كورونا بفضيحة أخرى وجريمة بشعة باغتيال الناشط السياسي نزار بنات بعقلية وطريقة عصابات الإجرام.
متابعاً أن هذا انعكاس لغياب القانون، وتفشي الاستبداد الأمني واستبداد الجهل، والقمع بالضفة، فيما تقدم السلطة كل الأدلة على فسادها وعجزها، ولا قيمة لأي لجان وطنية شُكّلت لهذا الغرض؛ لأن الخرق اتسع على الواقع.
وأكد الكومي على أنه لا يمكن أن ينتهي هذا الوضع ما لم يقرر شعبنا الاستبداد على السلطة وتعرية أجهزتها الأمنية، ومهاجمة سلوكها وفضح جرائمها، مشيراً إلى أن "نزار بنات" سيظل فكرة ونموذج للفلسطيني الفدائي والحرّ، ولن تنتهي هذه الفكرة طالما ظل عجز السلطة وفسادها، فأينما وجد الفساد والعربدة وجد الثوّار، وسيعود لكم نزار جديد.
الخبير بالشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر وصف الجريمة بقوله :"الحالة تجعل أقلامنا عاجزة أمام جريمة قتل نزار بنات، الناشط السياسي ومرشح الانتخابات بعيدا عن الكلمات الحزينة والمشاعر الغاضبة في هذا الموقف الجلل، لكن ما يحصل فعلا هو نتيجة طبيعية لسلوك يقوم به قاتلوه منذ سنوات دون رادع أو محاسب.. الرحمة لروحك يا أبو كفاح، واللعنة لقاتليك.
فيما وصف الكاتب وسام عفيفة الجريمة بأنها اغتيال مع سبق الإصرار والترصد، وإكمالاً لنهج الاحتلال الهادف لطمس الحقائق وقتل الصوت العالي الناطق بالحقيقة.
إدانة فصائلية
حركة حماس قالت إن هذه الجريمة المدبرة والمنظمة تعكس نوايا وسلوك سلطة عباس وأجهزته الأمنية تجاه أبناء شعبنا والنشطاء المعارضين وخصومه السياسيين.
حمّلت الحركة في بيان لها، رئيس سلطة أوسلو محمود عباس وسلطته المسؤولية الكاملة عن كل تداعيات ونتائج هذه الجريمة النكراء التي تضاف إلى سلسلة جرائم وانتهاكات هذه السلطة بحق أبناء شعبنا، وإن دماء نزار بنات ستظل لعنةً تلاحق المجرمين والقتلة الذين باعوا أنفسهم وضمائرهم لأعداء شعبنا.
وأعربت حماس في بيانها عن رفضها الشديد لأسلوب الاستقواء على أبناء شعبنا في مقابل عربدة المستوطنين وجنود الاحتلال في الشوارع والمدن والقرى دون رادع، محمله السلطة وأجهزتها الأمنية كامل المسؤولية عن هذه الجريمة النكراء.
من جهتها، أكدت حركة الجهاد الإسلامي، أن جريمة اغتيال المناضل نزار بنات على يد أجهزة أمن السلطة في الخليل تكشف مدى التعدي على الحريات وقمع وملاحقة كل المعارضين لسياسات السلطة ونهجها والواقفين بجرأة وشجاعة في مواجهة الفساد.
الفصائل الفلسطينية جمعاء شددت على عدم السكوت على الجريمة وعدم السماح بمرورها مرور الكرام؛ مؤكدة على ضرورة قيام المراكز والمؤسّسات الحقوقية، بدورها المطلوب إزاء هذه الجريمة بكل أبعادها ودلالاتها وغيرها من القضايا المماثلة.
ودعت الفصائل جماهير الشعب الفلسطيني إلى أوسع مشاركة وطنية وشعبية في تشييع الشهيد نزار بنات، مطالبةً القوى والفصائل والمؤسسات الشعبية والمدنية والحقوقية، والعشائر الفلسطينية بأوسع تضامن مع ذوي الشهيد، ورفض الظلم والاستبداد.

