منزل صغير تكسوه ألواح من الزينكو المهترئة، ونوافذ خشبية مكسورة وأبواب متآكلة، وأرضية من بلاط قديم محفور، وجدران متشققة، وقطع من القماش البإلى تتدلى لتشكل ستارا عن المنازل المجاورة.
هذا هو حال منزل الخمسينية أم أحمد محسن التي تسكن منزلا من الزينكو في مدينة رفح جنوب قطاع غزة منذ أكثر من 50 عاما، يفتقد إلى أدنى مقومات الحياة الآدمية، في حين لم تنجح كل محاولاتها في البحث عن أي جهة تقدم لها الدعم من أجل ترميمه.
معاناة مزدوجة
ومع اشتداد حرارة الصيف، تضطر أم أحمد إلى الهرب أمام منزلها، كونها لا تحتمل الجلوس داخل غرفتها أو حتى ساحة المنزل، حيث يتحول إلى ما يشبه الصفيح أو فرن ملتهب يخرج نارا حامية بعد التهاب ألواح الزينكو نتيجة ارتفاع حرارة الشمس.
وتؤكد في حديث لـ"الرأي"، أن منزلها الذي تعيش فيه مع ابنيها وزوجها يحتاج إلى تجريف وترميم، فمعاناتها تزداد كثيرا مع حلول فصل الشتاء الذي يحول ليلها إلى نهار، حيث انسياب مياه الأمطار إلى داخل المنزل، وهو ما يجبرها على وضع الأواني في كل زاوية من زواياه، تلافيا لتسرب المياه إلى الملابس والأغطية والأثاث.
ليس هذا فحسب، حيث تشكو من وجود القوارض والفئران التي تسير بكل أريحية داخل المنزل، بالرغم من محاولاتها البائسة للتخلص منها.
بيوت متهالكة
وفي معسكر الشاطئ بغزة، يعيش المواطن أبو فادي اسليم، هو الآخر داخل منزل من الاسبست المهترئ، مكون من غرفتين صغيرتين تفتقدان إلى دخول شعاع من أشعة الشمس، إلى جانب مرحاض أرضيته من الرمل، ويفتقد إلى أدنى مقومات الصحة والحياة الآدمية.
يقول أبو فادي في حديث لـ"الرأي":" في فصل الصيف نهرب من داخل المنزل إلى الجلوس خارجه، هربا من حرارة الشمس التي تكوي أجسادنا، بالإضافة إلى ارتفاع رطوبة الجو"، موضحاً بأن الجلوس داخل منزل من الزينكو أو الاسبست أشبه بمن يجلس داخل محمصة أو فرن حراري.
وتتميز المنازل في معسكر الشاطئ بغزة بتلاصقها بجانب بعضها البعض وصغر شوارعها، في حين أن غالبيتها ذات أسقف من ألواح الزينكو أو الاسبست تسكنها عائلات فقيرة، بالكاد تجد قوت يومها، وتقف عاجزة أمام إمكانية ترميم هذه المنازل التي أكل الزمن من جدرانها وشرب.
ولا تتوقف معاناة العائلات الفقيرة التي تعيش داخل بيوت متهالكة في فصلي الصيف والشتاء، فعلى مدار أربع حروب مضت، اضطرت الكثير من تلك العائلات إلى ترك منازلها هربا من حمم الصواريخ والشظايا التي تتطاير وتسبب فتحات وشقوق في الواح الاسبست، إلى جانب ازدياد التشققات في الجدران، وتشكيلها خطرا على حياة ساكنيها.
أم حلا نصار والتي تعيش في منزل من ألواح الاسبست القديمة، تؤكد أن الحرب الأخيرة تسببت بإحداث بعض التشققات في جدران وسقف منزلها جراء شدة الصواريخ والقنابل الارتجاجية، وهو ما دفعها إلى مغادرته خوفا على حياة أسرتها.
وتبين أم حلا في حديث لـ"الرأي"، أن بعض الشظايا أصابت منزلها وأحدثت ثقوباُ في سقف إحدى الغرف، موضحة أن ظروفها المادية ولاقتصادية لا تسمح بترميم ما أصاب منزلها من دمار.
بحاجة لوقفة حقيقية
ووفق بيانات وزارة الأشغال بغزة، فقد تجاوز عدد الوحدات السكنية المتهالكة والآيلة للسقوط وغير الصالحة للسكن، والتي تحتاج إلى إعادة بناء حوالى 27 ألف وحدة.
وتشير بيانات الوزارة أن هناك ما يزيد عن 60 ألف وحدة سكنية بحاجة إلى إعادة تأهيل أو ترميم كونها لا تلبي الحد الدنى الملائم للسكن.
وتحتاج منازل الزينكو والاسبست بغزة إلى وقفة حقيقية من الجهات الرسمية المعنية والمؤسسات المحلية التي تهتم بالعائلات الفقيرة بغزة، وضرورة النظر بعين الرأفة والرحمة من أجل الأطفال الذين يتحول صيفهم إلى أشبه بالحريق، وشتاءهم إلى أشبه بالغريق.

