عندما غادرت لوران المملكة العربية السعودية بعد أن ولدت وترعرعت هناك، لم تتوقع أن ذهابها الى غزة للحصول على الشهادة الجامعية لن يمكنها من رؤية عائلتها مرة أخرى جراء إغلاق المعابر التي حرمتها من احتضان ذويها أكثر من عشر سنوات على التوالي.
لوران الزعيم، فتاة غادرت السعودية وعاشت في قطاع غزة، ظلت تتنقل ما بين السعودية وغزة خلال دراستها في الجامعة من أجل تجديد الاقامات.
تزوجت لوران عام 2006، مع بداية فرض الحصار الإسرائيلي على غزة، وهنا أغلقت كافة المعابر، وخسرت إقامتها في السعودية بسبب التأخير في السفر جراء الاغلاق.
وبعد الزواج بقيت الشابة الثلاثينية 5 سنوات لم ترى فيها ذويها، وخلال هذه السنوات كان معها طفلين، أحدهما يبلغ من العمر 4 سنوات والآخر يبلغ العامين، وفي هذه الفترة شاهدت عائلتها لمرة واحدة، ومن بعدها عمل الاحتلال على تشديد حصاره على قطاع غزة.
حصار واغلاق معابر
ومن بعد تشديد الحصار، لم يبق بإمكان والد لوران السفر الى غزة، فهو لم يكن على يقين بأن المعبر سيظل مفتوحاً امام حركة المسافرين من خارج القطاع، وخشي من إمكانية خسارة وظيفته التي يعمل فيها منذ 40 عاماً.
وفي ظل عدم مقدرة والدها ووالدتها أو أشقائها على زيارتها في غزة، مرَ بذلك عشر سنوات على غيابهم دون مقدرتهم على زيارة غزة بسبب ظروف المعابر المتغيرة من فترة لأخرى، والتي لم تكن تقف على حال واحد.
عشر سنوات مرت بحلوها ومرَها على لوران، أنجبت خلالها 4 أطفال لا يعرفون عائلة والدتهم، أكبرهم أصبحت الان 14 سنة، والطفل الثاني أصبح في عمر 12 سنة، والثالث في عمر 10 سنوات، ولديها أيضاُ طفل عمره 10 شهور.
شعور بالضيق والحرن كان يخنق لوران، خاصة في الأعياد والمناسبات، وفي حالة الولادة والحمل، فقد كانت بحاجة لوالدتها ولوالدها للوقوف بجانبها، لم يكن أمامها سوى البكاء على الهاتف، وهي تتحدث إليهم على أمل اللقاء، لكن لم يكن باليد حيلة، فالمسافات بعيدة، وهناك حواجز تحول دون رؤيتهم.
ليست لوران التي حالت الإغلاقات المتكررة للمعابر دون عناق ذويها، فلديها شقيقة متزوجة في مصر الشقيقة، ولكن كانت ظروف المعبر تحول دون زيارة شقيقتها لها بغزة، وهو ما كان يشعل نار الشوق والحنين بداخلها.
تقول لوران لـ"الرأي":" مرت 10 سنوات من عمري، حدث فيها 4 حروب لم يكن فيها أهلي بجانبي، كانوا يشاهدون الدمار والدماء في كل مكان ويتابعون نشرات الأخبار أولا بأول، وكانوا يطمئنون علينا وهم في حالة قلق وخوف لأنني بعيدة عنهم وهم ليسوا معي".
شعور بالوحدة
كلما كان يحل العيد أو شهر رمضان، كان يمر عليها لكن مذاقه كان علقماً، شعور بالضيق والألم تعجز أمام وصفه الكلمات، وما كان يؤلمها أكثر عندما تستمع الى أحاديث صديقاتها عن زيارة ذويهم لهن.
تضيف": كان عندي رغبة في الإجازات أزور أمي وأبي، ولكني كنت محرومة من أن أجتمع بأهلي وشقيقاتي ووالدي وكنت أشعر بالوحدة، فوجود الأم والأب مهم جدا، خاصة في بعض الأمور والمواقف التي تحتاج الى وجود الأب كسند."
وخلال تلك السنوات الطويلة، كانت على تواصل مع أهلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كان أطفالها يتواصلون معهم، وهو ما كان يخفف من لوعتها وحنينها الى أسرتها والاجتماع بهم، لكنها في ذات الوقت كانت تفتقد لاحتضان العائلة بشكل مباشر دون حواجز أو معابر.
فرحة كبيرة مفاجئة دخلت الى قلب الأم الصغيرة عندما علمت بوصول أسرتها الى غزة بعد غياب كل تلك السنوات، شعور بالقلق ساورها عندما أدركت أنها سترى والدتها بعد فراق 10 سنوات.
تساءلت كثيراً فيما بينها:" هل تغيرت أمي؟ هل كبرت وظهرت عليها التجاعيد؟ وهل سأشعر بفارق العشر سنوات؟ وهل غياب العشر سنوات سيؤثر على علاقتنا، وماذا بشأن الحنين الذي افتقدته هل سيكفي؟".
مشاعر ممزوجة ما بين الدموع والفرح وعدم التصديق، مشاهد لا يمكن وصفها، هكذا كان حال لوران وهي تعانق والدتها وشقيقتها على المعبر، بكى الجميع بشدة، حتى أن المتواجدين في المكان تأثروا كثيراً.
" أخيراً اجتمع شملي مع والدتي وشقيقتي، تعبنا نفسياً وأرهقنا جسدياً، وكنا بحاجة الى وجودهم بجانبنا في الحزن والفرح، والحمد لله نحن سعداء، فقد أصبحنا نزور والدتي، حتى أطفالي باتوا يشعرون أن لهم بيت "سيد" أي جد"، تقول بلهفة.
وتتمنى لو أنها احتضنت والدها ورأته، لكن والدها كان يخشى من ضياع وظيفته، منه خاصة أن فتح المعابر لا يبق على حال، ولذلك رأى أن من الأفضل البقاء في السعودية والتواصل مع عائلته عبر الهاتف.
وتفرض سلطات الاحتلال الإسرائيلي حصاراً مشدداً على قطاع غزة جواً وبراً وبحراً، منذ أكثر من 14 عاماً على التوالي، تسبب في خنق كل مناحي الحياة الاقتصادية والمعيشية بغزة، وشتت اغلاق المعابر الكثير من العائلات، وحال دون لم شملها مع بعضها البعض.

