في الثاني عشر من شهر سبتمبر لعام 2005 كان الصباح مختلفا حينما شق الفجر نوره لهذا اليوم على غزة دون احتلال، كنتُ حينها أسكن بجوار الحدود الفلسطينية المصرية بما يسمى محور "فيلادلفيا"، لم ننم تلك الليلة كعادة كل الليالي ولكن هذه المرة ليس على أصوات إطلاق الرصاص من الأبراج العسكرية المحاذية لمنزلنا، بل على أصوات المركبات العسكرية المنسحبة والتي تجر ذيل الخيبة والهروب الأخير لهم من غزة.
وما أن بزغ نور الفجر حتى وصلنا بالمئات إلى الحدود الفاصلة فإذا هي فارغة خالية لا يدنسها أي احتلال، تجاوز الجميع الجدران الفاصلة وإذا بجنود مصريين نقابلهم ويقابلوننا ويهنئونا بزوال الاحتلال "الإسرائيلي".
ما هي إلا ساعات وإذا بكل سكان القطاع يصل الحدود الفاصلة ويدخل مدينة رفح المصرية بتسهيلات واضحة من الجنود المصريين وإذا بالمنطقة تحولت إلى منطقة سياحية للتنقل بدون حدود وبدون جواز سفر وبدون هوية استثنائية صممتها قوات الاحتلال للمواطن الفلسطيني.
هذه كانت ذكرى الفلسطيني وائل أبو عمر الذي يقطن على الحدود المصرية الفلسطينية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، وهي حلم الفلسطيني أيضاً بأن يحيى المشهد مرة أخرى على كل بقاع فلسطين المحتلة عام67 و48.
ففي مثل هذا اليوم من عام 2005، بدأت (إسرائيل) بإخلاء مستوطناتها من قطاع غزة، في حدث تاريخي لم تعشه بقعة واحدة من فلسطين، ولم يسبق لها أن أخلت أرضا تستولي عليها منذ احتلالها فلسطين التاريخية عام 1948.
ثمانية وثلاثين عاماً رضخ خلالها قطاع غزة تحت الاحتلال الذي وزع محفظاته على شكل حواجز عسكرية تبيح التفتيش والانتظار ومنع المرور مع تكريس المعيقات والعقبات، كما دفع العديد من الشبان الثائر لتنفيذ عملياتهم الفدائية بإمكانات بسيطة أذاقت العدو طعم البأس الشديد.
وأنهت (إسرائيل) تواجدها الفعلي على الأرض، لكنها شددت سيطرتها على مفاصل الحياة في غزة، ومنذ اندحارها مارست كل صنوف العدوان والخنق، عبر الحروب الأربعة والتوغلات العسكرية، وحصار تسبب في انهيار كثير من القطاعات على مدار خمسة عشر عامًا.
سنوات الحصار ضاعفت القوة العسكرية التي تمتلكها المقاومة بغزة للدفاع عن شعبها الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة ومدن الضفة والقدس ومدن الداخل المحتل، ما حوّلها إلى قبلة المقاومة والثورة وأمسكها زمام الرد على المستضعفين في المدن الفلسطينية المحتلة، آخرها كانت "سيف القدس" مثالاً عن كل فلسطين.
هذا اليوم وعلى مدار ستة عشر عاما من الحدث حوّله الفلسطينيون كـذكرى تاريخية لا تنسى ويوم يُحتفى به، عبّر فيه الفلسطيني عن حلمه برؤية فلسطين حرة دون جنود احتلال، دون حواجز طيارة تلتقط الشبان المطاردين والمطلوبين لديها والمتهمين بتنفيذ عمليات فدائية تضرب أمن الكيان، أو حتى يحملون نوايا التنفيذ كواحدة من أسياسيات التخمين الأمني لدى الاحتلال في كل شاب فلسطيني ينتمي لقضيته.
كما تصدرت عدد من الحملات الالكترونية التي تحمل بين سطورها أحلاماً ومشاهد من فلسطين وهي حرة بوسم "فلسطين بدون احتلال"، ورسم الواحد الفلسطيني طريقه وهو يقطع مسافات دون قواطع أمنية عسكرية انطلاقاً من غزة في سيارته الخاصة ودخوله الشوارع التي ترتص بجانبها سهول وجبال وهضاب فلسطين دون إيقافهم من جندي "إسرائيلي" لا يمت أصله لهذه الأرض.
وعبر الفلسطيني الطرق الواسعة بجمال أشجارها العالية وأوديتها وسهولها الخضراء إلى مدن الضفة، وتجول في نابلس ورام الله والخليل وبيت لحم وأدى صلواته في باحات المسجد الأقصى، وأمضى بقية يوم في شواطئ يافا واللد والرملة وعكا.
هذا الحلم الفلسطيني الأول، في مقابله يدفع ثمنا يكلفه عمره أولاً، فإما يقع أسيراً يُحكم عليه بمدى الحياة أو يرتقي شهيداً فتفيض روحه فداء للبلاد أو يضحي جريحاً يفقد أحد أطرافه، ولا خيارات محدودة للأثمان التي يدفعها الفلسطيني لانتزاع أرضه المسلوبة وحقوقه التي أكلها الاحتلال زوراً، تماماً كما هي سياسة العقوبات والحصار ضد قطاع غزة.

