للوهلة الأولى تظن أنه مشهد طبيعي في بلد أوروبي ما، مجرى كبير يتسع لجريان المياه المعالجة بين جنبات الأراضي المخضرة بالمزروعات، 3.391كم2 تلك المساحة الكبيرة نسبيا تعود لوادي غزة الذي يتوسط الطريق الرئيسي الواصلة بين محافظات قطاع غزة.
وادي غزة المكان الأكبر في قطاع غزة الذي يعد أكبر بؤر التلوث البيئي من حيث حجم استقباله لمياه الصرف الصحي التي وصلت إلى خمسة وعشرين ألف متر مكعب، وهو أيضا ضمن المشاريع المعدة منذ سنوات للعمل على إنهاء أزمته واستبدالها بمنحة تتيح للوادي التحوّل من مستنقع للحشرات والقوارض والأفاعي إلى مكان سياحي يحمل على ضفافه مركبات بحرية.
الهيئة الأولى للواد لم تكن كذلك، فقد كان أرضاً برية وسياحية مفتوحة ومحطاً لهبوط الطيور على وجه الماء الجاري، امتداداً من نقطة عين المياه في أراضي بئر السبع المحتلة، وصولاً إلى اتساع المجرى بين ضفاف الأرض الخصبة في غزة وانتهاء بصبها في خط الساحل البحري.
ربع قرن من الزمن كان خلالها الواد مسكناً للقوارض والبعوض بعد موت الحياة البرية والزراعية على إثر صب مياه الصرف الصحي القادمة من المناطق الوسطى ومحافظات غزة، ما سبب الأذى للسكان المحيطين بالمنطقة.
نطمح الآن لإعادة هذه المنطقة إلى ما كانت عليه قبل خمسة وعشرين عاماً، وإعادة إحياء الحياة الطبيعية من جديد، وذلك من خلال معالجة المياه عبر أحواض ومحطات التحلية المتمركزة شرق البريج والمصممة خصيصاً لتحلية المياه، كما قال مدير عام المشاريع بوزارة الحكم المحلي زهدي العزيز.
وقال العزيز إن المياه التي تجري في أرض الواد منذ ثلاثة أسابيع فقط هي مياه نظيفة لا رائحة لها ولا لون، مبرراً ميول لون المياه إلى السواد يعود إلى لون التربية المسودة من الأساس بفعل تأثرها بمياه الصرف الصحي الملوثة.
هذا المشروع كان بتمويل ألماني ليعالج مياه الصرف الصحي لكل مناطق القطاع، واستمر عمر المشروع لأكثر من خمس سنوات كانت مليئة بالعقبات والصعوبات بفعل تشديد الحصار.
"مع كل قطعة غيار، مع كل معدة مع كل جهاز له علاقة وبتنفيذ المشروع كان لنا قصة عصيبة توقف الزمن أمام تنفيذ المشروع وإتمامه، إلى أن وصلنا للمرحلة التجريبية في تحلية مياه الصرف الصحي لجزء من قطاع غزة ونجحت فعليا، ومن ثم بدأنا بالتوسع لشمل مياه المنطقة الوسطى وتحليتها"، يقول زهدي العزيز.
بدأ الواد فعليا يتجلى بمظهره الحضاري بعد تنقية 60 ألف متر مكعب يومياً من مياه الصرف الصحي من محطة التحلية الرئيسية، وهذه المرحلة تعد إنجازاً صريحاً بعد خمس سنوات من العمل المتواصل من قبل مؤسسات الحكم المحلي، بحسب المدير العام زهدي العزيز.
وقال العزيز "لا مياه صرف صحي بعد الآن في مجرى الواد"، هذا الإنجاز الكبير لا ينهي القصة عند هذا الحد، بل يطيل التفاصيل باستثمار المياه النقية لعملية الزراعة في المستقبل القريب.
وتنتشر في منطقة تغذية وادي غزة الخرب والآثار والمواقع التاريخية المهجورة التي تكشف ماضي المنطقة وإعمارها القديم، لكن منطقة وادي غزة إجمالاً منطقة فقيرة اقتصادياً، لاعتمادها في الزراعة على الأمطار.
ونتائج الحفريات الأثرية التي أجريت في قطاع غزة أثبتت أن هناك حضارات قد نشأت ومدن شُيّدت قرب وادي غزة خلال العصر البرونزي، لذلك يوجد حتى اليوم عدد كبير من الآثار، وخاصة الأواني الفخارية، والمواقع التاريخية على ضفاف الوادي والتي تعكس حضارته، وتوالي استقرار السكان فيه خلال فترات التاريخ المتعاقبة.
وحمل الواد عدة من الأسماء سابقا منها "وادي الحسا"، و"نهر البيسور" الذي يرتبط بالمملكة الكنعانية في بيسور بصحراء النقب جنوب فلسطين التاريخية.

