كارثة حقيقية بكل المقاييس، تلك التي يعانيها قطاع غزة من نقص وتلوث للمياه، واستنزاف للخزان الجوفي، مرة بالمواد الكيماوية الزراعية ومرة أخرى بتسرب مياه الصرف الصحي، وثالثة جراء الحروب التي يشنها الاحتلال ودمرت معها البنية التحية، الأمر الذي يعرض حياة المواطنين لخطر حقيقي يتهدد صحتهم.
وكان المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان والمعهد العالمي للمياه والبيئة والصحة قد كشفا أمام مجلس حقوق الإنسان، أن الحصار الإسرائيلي طويل الأمد لقطاع غزة، تسبب في تدهور خطير للأمن المائي، لتصبح 97% من المياه غير صالحة للشرب، بينما يبقى سكان القطاع المحاصر يتسممون ببطء.
وتقف أزمة الوقود وانقطاع الكهرباء المستمر عائقاً أمام تشغيل آبار المياه ومحطات معالجة مياه الصرف الصحي، الأمر الذي أدى الى تصريف نحو 80% منها الى البحر، بينما يتسرب 20% منها الى المياه الجوفية، وفق ما ذكره المرصد.
عجز الخزان الجوفي
ويؤكد منسق الإدارة العامة للمياه والصرف الصحي في بلدية غزة، م. أنور الجندي، أن قطاع غزة يستنزف سنويا حوالي 180 مليون كوب مياه من الخزان الجوفي، في الوقت الذي لا يوجد بغزة أي مصادر أخرى غيره لإمدادات المياه للاستعمالات المنزلية والزراعية.
ويقول الجندي في حديث خاص لـ"الرأي":" إن ما يسقط من الأمطار يغذي الخزان الجوفي بـ50 مليون متر مكعب سنويا"، موضحا أن هناك عجزاً في الخزان الجوفي بـ 130 مليون متر مكعب سنويا، وهذا العجز تسبب في وجود ضغط من مياه البحر باتجاه الشرق على الخزان الجوفي، الى الحد الذي أصبحت فيه ملوحة المياه تصل الى 3 كيلو متر باتجاه الشرق.
ووفق ما ذكره الجندي فإن ما يقارب حوالي 8 آلاف بئر زراعي يتم حفرها دون ترخيص، وهذه الآبار تستنزف كميات كبيرة من مياه الخزان الجوفي لأغراض الزراعة في مناطق مختلفة في قطاع غزة.
أسباب كارثية للتلوث
وفيما يتعلق بالأسباب التي تقف خلف ازدياد نسبة تلوث مياه غزة، يضيف:" إن محطات التحلية الخاصة بغزة تستخدم مياه من الخزان الجوفي، ويتم تحلية المياه التي يتم سحبها منه، في حين أن 50% من المياه المسحوبة يتم تحليتها، والـ 50% الأخرى يتم إلقاؤها في شبكات الصرف الصحي كونها مياه مالحة لا يمكن استخدامها، وهذا يزيد من السحب الجائر على الخزان الجوفي".
ولا يتوقف خطر تلوث المياه هنا، فالكارثة الكبرى التي تحدق بسكان قطاع غزة والحديث لـ"الجندي"، تكمن أيضا في استخدام المبيدات الحشرية والمواد الكيماوية من الأسمدة، وهو ما يؤدي الى تلوث التربة وأثناء الري يتم نزول هذه الكيماويات الى الخزان الجوفي، ما يسبب ارتفاع نسبة النيترات والنيتريت في المياه الجوفية.
كارثة أخرى تقع في المناطق التي لا يوجد بها شبكات صرف صحي بغزة، حيث يتم ضخ مياه الصرف الصحي في آبار امتصاصية، وهذه الآبار تؤدي الى تلوث الخزان الجوفي التي يعتمد سكان قطاع غزة عليها في الشرب.
دور البلدية
وحول دور البلدية، يشير منسق الإدارة العامة للمياه والصرف الصحي، الى أن البلدية بالتنسيق مع سلطة المياه ومصلحة المياه قامت بافتتاح محطة التحلية في منطقة السودانية بغزة، وتم شراء حوالي 8 مليون متر مكعب من المياه من شركة مكروت، وهذه الكميات كبيرة، تقريبا ربع الكمية المستهلكة بغزة.
ويبين الجندي، أنه في غزة يتم يوميا ضخ حوالي 100 ألف متر مكعب عبر الشبكة، منها 20 ألف متر مكعب من شركة مكروت، و5 آلاف متر مكعب من شركة التحلية، أي 25 ألف متر مكعب يومياً يتم شرائها من شركة مكروت ومن محطة التحلية، وهي ربع الكمية التي يتم ضخها للمواطنين.
ويتابع:" ضعف الكمية يتم سحبها من الخزان الجوفي المقدرة ب 75 ألف متر مكعب، ويتم سحبها من خلال حوالي 70 بئر مياه خاصة بالبلدية، ويتم ضخها عبر الشبكة للمواطنين".
حلول مطلوبة عاجلا
ويذكر حلولا للتخفيف من حدة تلوث المياه، قائلا:" إنه يجب التوجه وبشكل عاجل لتحلية مياه البحر، وهي من المفترض أن تكون المصدر الأساسي لإمداد المواطنين بالمياه الصالحة للشرب، بحيث يتم التحلية من مياه البحر، والمياه الراجعة المالحة يتم ارجاعها للبحر، وليس إلى شبكات الصرف الصحي".
ومن ضمن الحلول أيضاً، شراء المياه عبر شركة مكروت الإسرائيلية، أو عمل اتفاقية مع الجانب المصري لشراء مياه صالحة للشرب محلاة، وعند وجود مياه صالحة للشرب من خارج قطاع غزة يتم هنا التخفيف، ووقف آبار المياه التي تستنزف الخزان الجوفي، وبالتالي يتم اراحته حتى تعود المياه إليه كما كانت في السابق مياه عذبة.
ويرى الجندي أنه يجب الاستفادة من معالجة مياه الصرف الصحي لأغراض الزراعة، مضيفاً:" نحن نستنزف تقريبا 90 مليون متر مكعب سنويا لأغراض الري الزراعي، لو تم استبدال هذه المياه للاستخدامات المنزلية بمياه معالجة من أجل الزراعة، فهنا يمكن التخفيف".
ويؤكد أن حوالي 90 مليون متر مكعب سنويا يمكن أخذها من مياه الصرف الصحي المعالجة عبر محطات المعالجة وري المناطق الزراعية في المناطق الشرقية من غزة، والمناطق الزراعية في الشمال والجنوب.
ووفق مسؤول البرامج والاتصال لدى الأورومتوسطي محمد شحادة، فإن الحرب الأخيرة على غزة فاقمت الأزمة الموجودة أصلا نتيجة للدمار الكبير الذي ألحقته في البنى التحتية في جميع محافظات القطاع، لافتاً الى أن نحو ربع الأمراض المنتشرة في غزة ناتجة عن تلوث المياه، و12% من وفيات الأطفال والرضع مرتبطة بأمراض معوية ذات صلة بالمياه الملوثة.
ويعاني قطاع غزة من أزمة مياه خانقة، حيث بلغت نسبة المياه غير الصالحة للشرب 97%، فيما يعتبر الخزان الجوفي الساحلي المصدر الوحيد للمياه في قطاع غزة والذي يتم استنزافه بشكل متواصل للزراعة والتحلية.

