فوق كل بقعة يقع عليها قسطا من عين الشمس، تفوح للأرض رائحة عريقة لها أصول قديمة تعود لعشرات السنين، وتجد السبب في حبات الزيتون التي يكاد زيتها يضيء في وجه الشمس، في الزقاق الخلفي للبيوت وفوق السطوح تلاحق الجدات والأمهات شعاع الشمس الدافئ ليحفظ حصاد العام بأكمله.
لوحة فنية ملونة تتوشح بها البيوت الفلسطينية على امتداد أيام الحصيدة، بدءاً من صواني العجوة المتروكة تحت أشعة الشمس ومربى البلح الأحمر بعد قطافه، وزجاجات الزيتون الأخضر المخزون وزيتون الجرجير، والزيتون الأسود المملح المتروك على امتداد أوقات الظهيرة تحت حجر صخري ثقيل يخلص الزيتون من مرارة طعمه.
فصل الخريف هو الموسم الرسمي للإعلان عن مراسم استعادة روائح البلاد وتراثها وأصولها، فكل الحصيدة ومحاصيلها هي بمثابة منبه يذكّر بأصالة مدن فلسطين المحتلة، ويستعيد معه صور البلاد الممتلئة بالخيرات الطبيعية، والمزروعة بأشجار الزيتون والليمون والبرتقال، وأشجار التين والصبر والرمان وكروم العنب.
"الزيت عماد البيت"، المثل فلسطيني تخرّج من البيوت الأصيلة التي تقع أصولها في المدن المحتلة، ولكل مدينة وقرية طريقة في تخزين محصول الزيتون لعام كامل، ولكنها تشترك جميعها على أنه عماد الحياة وتمام وجود الخير، فالزيت يدخل في معظم المأكولات الفلسطينية.
لحظات الحصيدة ما هي إلا محطات من العودة الحقيقية للبلاد المسلوبة، فعلى مقربة من أشجار الزيتون المحملة بالثمار، تشعل الجدات النار بالحطب لإطعام كل مشارك بالقطاف، وتضع حبات البندورة المقطعة على سطح المقلى فوق النار المشتعلة وتخلطه بالفلفل الأخضر الحار، وما أن تنضج حتى ترمي فوق الصاج رقائق الشراك.
تنضج "قلاية البندورة" وينضج خبز الشراك المحمّر، وتفرش الأرض بصحون الزيتون الأسود المقلب بالملح والفلفل الأحمر وعصير الليمون، ولا يكتمل المشهد الفلسطيني التراثي إلا بافتراش كوفية فلسطين السمراء، وتمتد الأيدي المفعمة بالزيتون الأسود والأخضر.
أصبحت أمسيت
يُقال لموسم الزيتون "أبو المواسم"، فهو من أهمّ المواسم الزراعيّة في فلسطين، ويعدُّ أوّل موسم في التقويم الفلاحي الفلسطيني القديم، إذ يأتي بعد "شتوة المساطيح" التي تُعتبر بداية العام الجديد في التقويم الشعبي، ويليه في الأهميّة موسم "حصاد القمح".
ويبدأ موسم قطاف الزيتون في فلسطين في التشارين؛ أي تشرين أول وتشرين ثاني، ويبدأ الفلاحون بالنزول إلى الحقول بعد سقوط أول شتوة في الموسم، شتوة تشرين أو شتوة الزيتون. وتتفاوت مواقيت البدء في قطافه من منطقة لأخرى حسب الجغرافيا ودرجات الحرارة.
هو موسم البركات لدى الفلاحين، كيف لا، والزيتون "رزق الموسم" الذي يبدؤون فيه عامًا اقتصاديًا جديدًا. وهذا الموسم غنيٌّ جدًا بالمأثورات والمرويات والحكايات والأمثال المُرتبطة بالزيت والزيتون:
والموسم مُرتبط بالمواقيت لدى الفلاحين، فقيل أنّ "أيام الزيت أصبحت أمسيت"، وأيضًا: "أيام الزيت طول الخيط"، وذلك كناية عن قصر النهار وطول الليل، وعن السنة التي يكون فيها الجوّ حارًا أثناء موسم القطاف، قال الفلاحون: "سنة الشّوب بتلبس الثوب"، أيّ أنّ السنة التي يكون فيها الجو حارًّا أثناء القطاف فإن ذلك يعني أنّ السنة المقبلة كثيرة البرودة.
وبالطبع لموسم الزيتون صلة بأسماء الأغنام لدى الفلاحين، فتراهم يُسمّون أغنامهم التي تلد في الخريف (أيلول وتشرين أول وتشرين ثاني) بـ"الغنم الزيتوني".
وشجرة الزيتون تحتاج إلى عناية كي تجود على الفلاح بالعطاء، فيقول المثل: "الزيتون زيّ ما بدك منه بدُّه منك" ولأجل ذلك يجب أن تُعطي الشجرة حقّها من حراثة وتقليم، وقالوا ع لسان الزيتونة "ابعد أختي عني وخُذ زيتها مني"، "وقنبني ولا تُكربني"، ومن العناية قولهم "التين اقطع واطيه، والزيتون اقطع عاليه".
ويتم تخزين الزيت في جرار لاستخدامه طوال العام، فيما يُباع ما يزيد عن حاجة الفلاح: "خلي الزيت بجراره تا تيجي أسعاره"، و"أُجرة البيت وحق الزيت ما فيها جميلة".
شجرة الزيتون معمّرة، أقدمها على الإطلاق في منطقة بيت لحم وعمرها يزيد عن خمسة آلاف عام، ولهذه الشجرة فوائد عديدة في حياة الإنسان؛ فهو يستفيد من ثمرها وزيتها وجفتها وخشبها وأوراقها، في الغذاء والدواء والدفء والأدوات والمنتجات الحرفية والتراثية والصناعية، والزيتون في نظر الفلسطيني قيمة لملكية الأرض وجمالها وروعتها بخضرتها الدائمة التي تكسو الجبال والطبيعة.

