لا تقتصر انتهاكات الاحتلال بحق المواطنين في مدينة القدس المحتلة على الأحياء منهم، حيث طالت الأموات تحت التراب وانتهكت حرمتهم، وهو ما ظهر جلياً من خلال تجريف المقبرة اليوسفية قرب المسجد الأقصى، التي سحقت تحت عجلات جرافاتها عظام ورفات العشرات من الشهداء والموتى.
وتأتي عمليات التجريف، بعد أن استجابت المحاكم الإسرائيلية لطلب بلدية الاحتلال في القدس وما تعرف بـ"سلطة الطبيعة"، باستئناف أعمال التجريف في المقبرة، ويشمل القرار كذلك السماح بتحويل قطعة الأرض إلى حديقة عامة من أجل ضمان منع المسلمين من استحداث قبور جديدة فيها، ضمن مساعي تهويد القدس وتغيير تاريخها وجغرافيتها.
انتهاك لحرمة المقابر
وبالرغم من أن الجهات المختصة بدعم من المقدسيين، قاموا بطرد الجرافة التي قامت بتجريف بعض القبور، وعملت على ترميمها وإعادتها إلى ما كانت عليه، إلا أن بلدية الاحتلال عملت على استئناف أعمال التجريف في المقبرة.
وكانت قوات الاحتلال قد هدمت سور المقبرة والدرج في المدخل المؤدي إليها مطلع شهر كانون الأول 2020، وواصلت بعدها أعمال الحفر والتجريف في مقبرة الشهداء، والتي تضم رفات شهداء من الجيشين العراقي والأردني، لصالح "مسار الحديقة التوراتية".
وفي محاولة لوقف أي اعتراض على تهويد المقبرة، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، رئيس لجنة رعاية المقابر الإسلامية في القدس، الحاج مصطفى أبو زهرة، واقتادته للتحقيق.
ويتابع أبو زهرة بشكل يومي، وعن كثب الانتهاكات التي تقوم بها سلطات الاحتلال في المقبرة، وهو يرافق الإجراءات القانونية التي تقوم بها اللجنة في محاولة لمنع الطواقم الإسرائيلية من دخول المقبرة، خاصة بعد الكشف عن قيام الآليات بنبش القبور وظهور الرفات.
ويأتي هذا الاعتقال في محاولة لترهيب اللجنة ورئيسها للحد من دورهم في الدفاع عن المقبرة بشكل قانوني.
وتقع مقبرة اليوسفية شمال مقبرة باب الرحمة وبمحاذاة سور القدس الشرقي، وتتعرض منذ سنوات إلى هجمة من قبل سلطات الاحتلال وحفريات، وصلت إلى مداميك أثرية قريبة من عتبة باب الأسباط.
طمس الإرث التاريخي
من جهته يقول الكاتب والباحث في التاريخ د.ناصر اليافاوي:" إن الاحتلال يمارس سلسلة اعتداءاته على مقبرة اليوسفية لتنفيذ مخطط مسار "الحديقة التوراتية"، لتهويد مدينة القدس بكل ما تحتويه من مقدسات إسلامية ومسيحية، وعلى رأسها المسجد الأقصى، بهدف طمس الإرث التاريخي والحضاري للمكان".
ويضيف اليافاوي في حديث لـ "الرأي":" تأتي فكرة اعتداء الاحتلال على المقابر والأموات لتنفيذ مخطط تهويد القدس من قبل البلدية الإسرائيلية بالقدس المحتلة، كان آخرها وليس نهايتها اعتداءها على أرض تابعة للمقبرة اليوسفية الإسلامية لتنفيذ مخططاتها الاستيطانية، ضمن سياق تهويدي مخطط، محاولة منها لطمس الوجه الحضاري للقدس، ولم تكتف بالاعتداءات على الأحياء بل أقلقت مضاجع الأموات، فانتهكت حرمتهم بتجريف وهدم المقابر. "
وتأتي أهمية المقبرة اليوسفية والحديث لليافاوي، كونها أحد أهم المقابر الإسلامية في القدس، لأنها تضم مئات رفات كبار العلماء والصالحين والشهداء الذين استشهدوا منذ بداية الفتح الإسلامي.
ووفق ما ذكره فإن تلك الحملة المسعورة ازدادت في ظل موقف إدارة ترامب السابقة، حين أعلن عن القدس عاصمة موحدة لليهود من ناحية، وهرولة غالبية الأنظمة العربية نحو التطبيع من ناحية أخرى، وجاءت المخططات التهويدية على مراحل، حيث بدأت حول المقبرة بهدف إخفاء معالم الممرات والمواقع التاريخية الأصيلة المحيطة بالمقبرة.
وتعتبر المقبرة اليوسفية أو كما يطلق عليها المقدسيون "مقبرة باب الأسباط" وهي واحدة من أشهر المقابر الإسلامية والعربية التي يرقد تحت ثراها مقدسيون، ورفات شهداء من الجيشين الأردني والعراقي الذين يقدر عددهم بنحو 300 شهيد شاركوا في حرب 1967.

