في أحدث التقارير الواردة من الضفة الغربية، نشر الموقع الإلكتروني للمجلة الأمريكية The Nation تفاصيل جديدة عن خلفيات الجهد الفلسطيني الرسمي الذي يقوده رئيس الوزراء سلام فياض لاستكمال البناء المؤسساتي، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية في الضفة الغربية بهدف جعل " الدولة الفلسطينية بحلول العام 2011م أمرًا واقعاً لا يمكن تجاهله من قبل المجتمع الدولي".
أعد التقرير كل من ناديا حجاب، وهي كبيرة الباحثين في مؤسسة الدراسات الفلسطينية فرع واشنطن، ولها العديد من المؤلفات، وهي خبيرة دولية في حقول حقوق الإنسان والتنمية البشرية والجندر، والصحفي الكندي جسي روزنفيلد المعروف باهتمامه بقضايا الصراع في فلسطين، ومقيم لعدة سنوات في رام الله.
ركَّز التقرير على مشاريع شبكات الطرق التي تنفذها السلطة الفلسطينية بتمويل من المانحين الدوليين. واعتمد في خلاصاته على مصادر مستقلة دولية ومحلية مثل الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية المانحة وتقارير المنظمات الأهلية الفلسطينية ومراكز الأبحاث، إضافة إلى بعض المنظمات الحقوقية الإسرائيلية، ومقابلات مع مسؤولين فلسطينيين وناشطين في مجلات حقوق الإنسان.
يعبِّر محتوى التقرير عن جانب مظلم ومأساوي من خطة البناء المؤسساتي في الضفة الغربية. وهو بشكل أساسي سرد نقدي حاد لخطط الحكومة الفلسطينية التطويرية، وتحديدًا في شقها المتعلق بشبكة الطرق الفلسطينية البديلة.
يرى معدا التقرير بأنَّ الطرق الفلسطينية البديلة " تُسهِّل تنفيذ المخطط الإسرائيلي الهادف إلى توسيع المستوطنات في الضفة الغربية تمهيدًا لضمها، وابتلاع أكبر مساحات ممكنة من الأرض الفلسطينية، مقابل إبقاء المناطق الفلسطينية في معازل وكنتونات".
ويؤكد كل من حجاب وروزنفيلد بأنّ 32% من مشاريع الطرق الفلسطينية الممولة من USAID هي نفسها خطة إسرائيلية مقترحة من قبل الإدارة المدنية الإسرائيلية قدمت للمانحين عام 2004 ولم يوافق عليها في حينه.
وحسب التقرير فإنَّ دائرة المفاوضات في منظمة التحرير قد أمدت الحكومة الفلسطينية سابقًا بتصور شامل عن العمل في البنية التحتية في ظل الإحتلال، وبينَّت لها ضرورة تفادي المخاطر والعراقيل الإسرائيلية. لكن وزير الأشغال العامة محمد اشتية – قبل استقالته- قلَّل من مخاطر الطرق الفلسطينية البديلة، معتبرها طرقًا مؤقتةً، اضطرت لشقها الحكومة لتوفير "بدائل للفلسطينيين المحرومين من استخدام شبكات الطرق التي أقامها الإحتلال".
أما الشق الثاني من الواقع التراجيدي للتنمية وللتطوير في الضفة الغربية فيتعلق باتهام التقرير للمؤسسات الدولية المانحة بالتساوق مع الأجندات الإسرائيلية وشرعنة التوسع الاستيطاني في الضفة، عبر أخذها بعين الاعتبار عند الموافقة على المشاريع الفلسطينية واقع المستوطنات الإسرائيلية وحاجاتها للتطوير، بل ودعم مشاريع تطويرية تربط المدن الفلسطينية بالمستوطنات. ومن الأمثلة على ذلك ما قامت به جهات ألمانية مانحة، بربط مستوطنة بسوغوت بشبكة المجاري التابعة لمدينة البيرة رغم اعتراض السلطة الفلسطينية.
وللتدليل على صدق خلاصاته، يسلط التقرير الضوء على ما يحدث في محافظة بيت لحم، فالطرق الفلسطينية الجديدة وتحديدًا تلك التي تعنى بتطوير مقاطع من طريق خط 356 تنسجم مع مخططات التطوير الإسرائيلية لمنطقة منطقة غوش عتسيون والهادفة إلى فصلها عن الضفة الغربية، وابتلاع المزيد من أراضي بيت لحم، وتسهيل وصول المستوطنين إلى القدس( على سبيل المثال ستختصر المخططات الإسرائيلية المدة الزمنية التي يقطعها مستوطنو تقوع ونكوديم إلى القدس من 45 دقيقة إلى 15 دقيقة )، في حين ستزيد المدة الزمنية التي يحتاجها الفلسطينيون للتواصل بين الخليل وبيت لحم عن 100 دقيقة.
أمام هذه الحقائق الصادمة، إن صدق التقرير، فإنَّ الخلاصة التي سيصل لها المواطن الفلسطيني العادي، ناهيك عن السياسي، ستكون جلية كما الشمس في رابعة النهار. إننا ندفع بحجة بناء المؤسسات ثمنًا أغلى من ثمن المقاومة، فالأولى لن تبقي لنا إلا الكنتونات، في حين تفتح الثانية آفاقًا لأكثر من خيار. بعكس مشروع المؤسسات كرافعة للدولة الفلسطينية، يمكن للمقاومة أن تحقق أهداف المشروع الوطني الفلسطيني، وهذا ما أثبته التاريخ مع كل الشعوب المستعمَرة، وفي أسوأ الحالات لن يتحمل الشعب الفلسطيني بمقاومته مسؤولية عيشه في كنتونات ومعازل.

