هناك نشاط استخباري ملحوظ لصالح العدو الصهيوني في غزة، بهدف تحديث بنك الأهداف التي ينوي ضربها، في سياق حرب محلية أو إقليمية قد تكون وشيكة، أو للرد على عملية فدائية قد تستهدف خطف جنود صهاينة، ما يستوجب رفع مستوى الإنذار والتأهب، وإرشاد المواطنين إلى أخذ الاحتياطات الوقائية الممكنة.
وقبل الحديث عن الحرب، أعلم أن بعض المعنيين بهذا الموضوع لديهم حساسية مفرطة من الحديث عن حرب جديدة على غزة، وكأنهم يضمنون عدم اندلاعها، ربما بذريعة أن الحديث عن الحرب يثير هلع المواطنين. وهذا التبرير غير صحيح، فعدم توقع الحرب يحدث الهلع والخطأ، والحديث عن الحرب يحث المواطنين والمقاومين على اتخاذ التدابير اللازمة.
لا تعد عملية تسلل أحد الضباط العرب إلى غزة لأغراض استخبارية سابقة، فمن المعروف أن عناصر استخبارية عربية وغربية تفد من حين لآخر إلى غزة، ضمن وفود رسمية، أو زيارات تنظمها نقابات مهنية. كما وصلت إلى غزة عناصر استخبارية عربية وغربية أثناء الحرب الماضية (معركة الفرقان)، وبعدها مباشرة، للوقوف عن كثب على الأوضاع الأمنية والسياسية والعسكرية، وجمع معلومات حول تحركات قادة حماس، ومعاينة تداعيات الحرب على المواطنين، والوقوف عن كثب على حجم الدمار الهائل الذي نجم عن تلك الحرب. ولا شك أن زيادة الضغط على المقاومين الفلسطينيين المعتقلين في السجون المصرية، لانتزاع معلومات أمنية وعسكرية منهم حول المقاومة، تأتي في السياق ذاته. وكذلك قيام أفراد من الأجهزة الأمنية السابقة، وقيادات سياسية معروفة، بتصوير المواقع العسكرية للمقاومة وتسليمها إلى سلطة رام الله، التي تقوم بتسليمها إلى العدو الصهيوني، خلال اللقاءات التي تعقد بين ضباط من حركة فتح وضباط صهاينة، بذريعة التنسيق الأمني بين الطرفين.
ولا أستبعد أن تتضمن أهداف زيارة الوفد الأمريكي لغزة الأسبوع الماضي، وزيارات أخرى قام بها غربيون لغزة، فرادى أو ضمن وفود، نشاطاً استخبارياً مماثلاً. ويأتي في السياق ذاته، تحرش العدو بالمقاومين من وقت لآخر، عبر شن عمليات حربية في المناطق الحدودية، شمالي قطاع غزة وجنوبيه، واعتقال المواطنين، لجمع المعلومات العسكرية، وتحديد نوع السلاح الذي يمتلكه المقاومون، ومدى تأهبهم لصد العدوان، وتكتيكاتهم الجديدة.
هذا النشاط الاستخباري المحموم يهدف إلى محاولة علاج الفشل الاستخباري الذي تعرض له العدو الصهيوني أثناء حربه على غزة، والذي سبب إرباكاً كبيراً لجيشه، وحد من قدرته على استهداف المقاومين، خاصة أن وزارة الداخلية في غزة قد حدت كثيراً من قدرة العملاء على الرصد والتجسس، ودمرت العديد من شبكاتهم. أضف إلى ذلك أن العملاء الذين زرعهم العدو الصهيوني في قلب الأجهزة الأمنية السابقة، خاصة الأمن الوقائي، والمخابرات، والاستخبارات، والأمن الوطني، قد انتهوا تماماً منذ الحسم العسكري. ويدل هذا النشاط الاستخباري على أن العدو الصهيوني يبيت النية ويعد العدة لضربة قاسية يبدأ بها حربه القادمة على غزة، ما يستوجب اتخاذ كل التدابير الممكنة لتلافي النتائج المدمرة للضربة الأولى.
ولا بد من إدراك أن الحرب القادمة ستكون مختلفة –من حيث الأهداف والتكتيك– عن الحرب السابقة، التي كانت تهدف إلى إضعاف حركة حماس ودفعها إلى الاستسلام، وليس القضاء عليها نهائياً، وذلك عبر ضعضعة المقاومة وإلحاق خسائر فادحة بها. وكانت تهدف إلى تحريض الشعب الفلسطيني ضد حكومة حماس ودفعه لإسقاطها بنفسه، وليس إسقاطها بأيدي جيش العدو. ولذلك عمد العدو الصهيوني إلى إحداث دمار هائل في البنية التحتية المدنية، وقتل أكبر عدد من المواطنين المدنيين، وإلحاق خسائر فادحة بقطاع غزة في جميع المجالات، لخلق أزمات كبيرة لحركة حماس وحكومتها. ولكن الحرب السابقة فشلت في تحقيق أهدافها، فلم تستسلم حماس، ولم تسقط حكومتها، ولم يثر الشعب عليها، بل صبر وزاد تمسكه بها، إذ لا يمكن لشعبنا أن يكافئ العدو الصهيوني على جرائمه ويحقق أهدافه.
أما الحرب القادمة، فسيكون في مقدمة أهدافها القضاء على كتائب الشهيد عز الدين القسام، وتوجيه ضربة قاضية لحركة حماس، وفرض واقع سياسي جديد على غزة. وتعتمد نتائج الحرب وقدرة العدو على إنجاز أهدافه على نتائج الضربة الأولى، فإن نجح العدو –لا سمح الله– فيها، فستكون كارثة على الشعب الفلسطيني. ولذلك لا بد من رفع مستوى التأهب والإنذار إلى اللون الأحمر، وعدم منح العدو فرصة لاستهداف القادة السياسيين والعسكريين والقادة الميدانيين في الضربة الأولى. مع يقيني بأن النجاح في تلافي الضربة الأولى، سيمنح القادة السياسية والعسكريين فرصة لإدارة المعركة بكفاءة، وسيفشل خطط العدو ويحبط عدوانه.
أما الحديث عن الاحتياطات الضرورية لحماية المدنيين، فيحتاج إلى مقال آخر إن شاء الله.

