من أكبر المصائب التي ابتلي بها شعبنا الفلسطيني في الستة عشر سنة الأخيرة أن تقوده سلطة مأجورة جاءت بموافقة العدو الصهيوني على طبيعتها ووظيفتها ومهامها وحدود سيادتها على الأرض والشعب؛ لتتحدث باسم شعبنا، وتمثله لدى المجتمع الدولي، وتتفاوض مع العدو الصهيوني على حقوق شعبنا التي ينتهكها هذا العدو وعلى أرضنا التي يغتصبها!
ظن كثير من أبناء شعبنا في بداية الأمر أن سلطة أوسلو ستحقق حلمهم الوطني بإقامة دولة، ولو على جزء صغير من فلسطين المغتصبة، ولم يدركوا في ذلك الوقت أن هذه السلطة هي نهاية المشروع الوطني التحرري الذي اضطلعت به منظمة التحرير الفلسطينية، وأن هذه السلطة تمثل نهاية المطاف بالنسبة لقضية فلسطين؛ ما لم يتخلص شعبنا فوراً من هذه السلطة، ويحاكم القائمين عليها على ما اقترفوه من جرائم سياسية وأمنية ضد شعبنا، ويقيم سلطة وطنية حقيقية تحمل هم شعبنا، وتسعى لتحقيق طموحاته، وتضطلع بقضيته دون تنازل عن حقوقه أو تفريط بثوابته المشروعة.
ويعود السبب في هذا اللبس إلى طبيعة سلطة أوسلو، فقد ظن كثير من أبناء شعبنا أنها سلطة وطنية حرة في إرادتها وقراراتها السياسية، ولكنها على الحقيقة هي سلطة تعاقدية بين منظمة التحرير الفلسطينية والعدو الصهيوني. وقد اعترف محمود عباس بهذه الحقيقة في معرض حديثه عن خيار حل السلطة أثناء لقائه الأسبوع الماضي بأعضاء المجلس الوطني الفلسطيني في عمان، حيث قال بصراحة ووضوح أن مسألة حل السلطة هي أمر تعاقدي بين طرفين، وأنه لا يملك حل السلطة أو إقامة دولة ثنائية القومية إلا بموافقة الطرف الآخر. وقد أكد صائب عريقات اليوم الاعتراف بهذه الحقيقة عندما استبعد خيار حل السلطة أو استقالة عباس إذا ما رفض "نتنياهو" تجميد "الاستيطان" لأجل مسمى. ويقصد عباس بالطرفين؛ الطرف الفلسطيني الذي يمثله عباس نفسه، والطرف الصهيوني.
ويعني هذا الاعتراف الخطير لعباس أن سلطة أوسلو هي تعاقد بين هذين الطرفين وفق معادلة تجارية–أمنية يعرفها شعبنا جيداً. ولا شك أن هذا التعاقد يشمل طبيعة السلطة ووظيفتها ومهامها وصلاحياتها، ويشمل أيضاً حدود سيادة السلطة على الشعب والأرض وكل ما يتعلق بإدارة حياة شعبنا الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، هذا إن بقى لها أي سيادة حتى على القائمين عليها أنفسهم. وبعبارة أخرى، لا إرادة سياسية لسلطة أوسلو، فإرادتها رهن إرادة العدو الصهيوني، ولا قرار لها، لأن قرارها رهن قرار العدو الصهيوني. إذاً سلطة أوسلو مغتصبة الإرادة، كما اعترف عباس، فهل نتوقع بعد كل هذا من سلطة أوسلو أن تعيد لنا بعضاً من حقوقنا أو تحرر جزءاً من أرضنا المغتصبة؟
إذاً المسألة هي مسألة تعاقد بين طرفين، طرف ذليل مأجور لا يطمح إلى أكثر من الأموال والامتيازات والوجاهة، وهو الطرف الذي يمثله محمود عباس وجماعته المتصهينة، وطرف يطمع في إقامة دولة يهودية على أنقاض فلسطين وتهجير من لا يدين من أبناء شعبنا بالولاء للدولة اليهودية المزعومة، وهو الطرف الصهيوني الذي يتحكم في السلطة ويملك تجويعها وحصارها وتدميرها في الوقت الذي يشاء! ولذلك فهي سلطة ذليلة مأجورة، بل هي أقل من ذلك بكثير، لان القائمين عليها لا يملكون إلغاء هذا التعاقد المهين مع العدو الصهيوني. ومن أكبر المصائب التي حلت بشعبنا منذ 1948 أن هذه السلطة تقوده رغم رفضه لها، وتعبث بقضيته، وتستبيح الشرعية الفلسطينية، وتسيء استغلالها أبشع استغلال.
ومن مهام السلطة التي يشملها هذا التعاقد؛ التفاوض مع العدو الصهيوني تفاوضاً عبثياً يضر بشعبنا ويخدم العدو. ومن مهامها أيضاً؛ التنسيق الأمني مع العدو الصهيوني، والاشتراك معه في الحرب على المقاومة في الضفة الغربية المحتلة، والتآمر على المقاومة في قطاع غزة. ولذلك لو فكر عباس يوماً بالكف عن التفاوض أو التخلي عن التنسيق الأمني والحرب على المقاومة والتآمر على غزة، فإنه يحتاج إلى موافقة الطرف الصهيوني، لأن السلطة هي تعاقد بين هذين الطرفين، ولا يجوز لطرف أن يلغي هذا التعاقد إلا بموافقة الطرف الآخر. ولما كان الطرف الفلسطيني هو الأضعف في هذه المعادلة الجائرة؛ فإن العدو الصهيوني لا ينتظر موافقة سلطة أوسلو على أية إجراءات أحادية الجانب اعتاد على القيام بها؛ كالتهويد، والتهجير، ونهب الأرض، لأن السلطة أجيرة، ولا خيار لها سوى البقاء أجيرة حتى آخر رمق لها!
ولذلك على شعبنا أن يتحرك الآن في اتجاه واحد فقط؛ وهو اتجاه حل هذه السلطة المأجورة، لتحرير الشرعية الفلسطينية المأسورة، وإلا فسيظل شعبنا يراوح مكانه ويدفع الثمن باهظاً؛ من أرضه، وحقوقه، ودماء أبنائه!.

