أشرقت السيدة الفلسطينية "شفيقة " صامدة ... إراداتها عالية شامخة ... و قبضات التحدي في عيونها شموس رافعة ... و رأسها دائما مرفوعة .. تحكى لابناءها قصص الملاحم و الفداء.. أشرقَ النور في قلبها الحنون .. و داهم قلبها المحروم من رؤية والدتها الجرح والألم .. 23 عاما لم تحتضن والدتها .. وبقيت محرومة طوال هذه السنين .. وبدأت تنتفض الآن .. وتشمر عن ساعدها للوصول إلى هدفها المنشود لتقول و تعلن فوزها الصريح على مخرز الحرمان والألم والفراق ..أصبح من حقها أن تقول لمخرز الحرمان والفراق بكل مخالبه العدوانية وأنيابه الغادرة : كفانا ترويعاً للأهل والأحبة ..كفانا تباعدا وفرقة.. كفانا حسرة..وهما..وألما..وحصاراً.. كفانا بعدا وحنينا واشتياقا ..
ولا زالت الحاجة شفيقة برغم علمها البسيط تحلم بنيل السيادة و إنتزاع الحرية و تأمين حق العودة لكل اللاجئين إلى أرضهم السليبة...و بناء دولتنا الفلسطينية المستقلة , و عاصمتها القدس الشريف..
"شفيقة ".. امرأة فلسطينية في بداية العقد الخامس من العمر رسمت سنوات الصبر ملامح الحزن على محياها .. واتشحت بالسواد منذ أن انفصلت عن أهلها في مصر .. وتزوجت في غزة .. في رفح .. وذهبت والدتها للعيش مع أخوها في ليبيا عام 1987م.
والآن بعد فراق طويل .. شدها مغناطيس الحرمان ، وعادت ذكرياتها ، كأشواك الصبار توخزها في كل أنحاء جسدها .. وتقهر عذاباتها .. فلقد أصبحت بعيدة عن أهلها.. وما أن علمت أن والدتها العجوز نزلت القاهرة .. جن جنونها وبدأت تبحث عن طريق فلا جدوى .. لأنها لا تملك أي أوراق تنطبق على حالتها .. ولم تستطع أن تحصل على تحويلة مرضية بالرغم من أنها تعانى من الربو وأمراض مزمنة أخرى .. ولم تستطع أن تحصل على تنسيقا لدخول الاراضى المصرية وان تسافر عبر معبر رفح البري المفتوح منذ خمسة شهور ..
وبعد هذا العمر الطويل بدأت " شفيقة " تغوص في ذكريات قديمة .. فهي لم تترك أهلها ووالدتها بإرادتها ، ولقد كان إبعادها قسريا مع زوجها .
ولا زالت تجلس صامدة صنديدة كالجبل الأشم ، تهيم على وجهها في كل جانب .. تبحث عن خيط ليصلها بالأحبة المفقودين منذ زمن بعيد ، عندما دار سؤال في أفلاكها ، وراودها عقلها أن تطرح الإجابة من ذاتها .. وقالت وقد اغرورقت عيناها بالدموع .. وهي تهمس بين ثناياها بقولها المسافة بيننا وبين الأحبة تبتعد يوما بعد يوم .. أريد أن أرى أمي قبل الفراق الكبير "..
هم شفيقة المتيقظ باستمرار اشتعل في قلبها .. يلازمها أينما حلت أو ارتحلت.. يحطم أحلامها ويقظ مضاجعها .. وجلست شفيقة تقلب صفحات تاريخها .. وتطوى في الأرض أيام خلت .. وتمسك بيديها صورة والدتها .. وتنظر إليها كأنها تحدثها : " أنتي في ذاكرتي .. ما زلتي تحتلين مساحات ليلي .. وأنا على موعد مع لقاءك عن قريب بإذن الله " .
وتقف صامتة ..وكأنها تعيد زمانها في مخيلتها .. وقلبها المذيوح ينظر إليها بعمق .. وحزنها المسكوب جراحا يئن حنينا .. وشوقها يزداد اشتعالا ، ويناديها الصبر الصبر ، وذكراها تحط فوق رأسها لهيب ونيران والآلام .. وما زالت تردد لا بد للأحبة من لقاء أثقلتنا الهموم والأحزان .. ولكن ايمانى بربي اكبر من كل القيود والحصون والأسلاك .

