في حوار مع المستشار الشرعي لرئيس الوزراء
وصف الحكومة بعدم تطبيق الشريعة وصف غير صحيح وبعيد عن الحق والصواب
الإسلام دين الوسطية والتيسير والمنهج الظاهري رافداً أساسياً للفكر المتطرف
التطرف عامل ضعف داخلي أشد خطراً على الأمة من عوامل الضعف الخارجية
من فجّروا أنفسهم سيطر على عقولهم سوء الفهم والهوى
إذا ترتب على إزالة المفسدة مفسدة أعظم فالترك أولى
· غزة – خاص الرأي:
أكد الدكتور العلامة مازن هنية المستشار الشرعي لرئيس الوزراء الفلسطيني، ورئيس لجنة الإفتاء في الجامعة الإسلامية، على أن الإسلام دين الوسطية والسماحة والرحمة والتيسير، وأن أي منهج اجتهادي يجب أن لا يخرج عن هذه القيم.
وبين المستشار د. هنية أن المنهج الظاهري الذي اعتمده عدد من العلماء في زماننا فهماً للنص وحكماً على الوقائع إضافة إلى الحدية في باب التشريع يعد رافداً أساسياً للفكر المتطرف؛ وقال: أن "من أهم ملامح التطرف والغلو الواقع هو التعامل مع مسائل الفروع والاجتهاد كما لو كانت مسائل عقيدة، وهناك فارق كبيرة بينهما فالعقيدة حدية، والتشريع سمته المرونة والسعة وتعدد الرؤية، فإذا حُكم على الفروع الفقهية بمنطق العقيدة فإن ذلك يفضي إلى خلل كبير".
ولفت هنية في مقابلة خاصة أجرتها معه صحيفة "الرأي" الحكومية إلى أن أصحاب هذا الفكر (المنحرف) قد رسموا تصورات عن تطبيق الشريعة، وعن كثير من أحكام الوقائع المتطورة بمنهج حدي يبتعد عن الحكمة والوسطية والسعة والمرونة والموازنة والأولويات التي يتسم بها التشريع الإسلامي، مضيفا: "وكل ذلك من واقع الجهل فهؤلاء ليسوا بعلماء مأذون لهم بالاجتهاد، وقد توجوا كل ذلك بالهوى فكان انحرافهم وضلالهم".
وفيما يلي نص المقابلة:
خطر التطرف
س. دار الحديث مؤخراً عن وجود أفراد يتصفون بالغلو والتطرف، كيف تنظرون إلى هؤلاء الأفراد، وهل هي ظاهرة فعلاً؟
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، وبعد.. بداية أشكركم على هذا الجهد وأسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتكم، وبالنسبة للتطرف والغلو، يجب التأكيد أولاً على أن مثل هذا الفكر تأباه الشريعة فهو غريب عنها، فإسلامنا دين سماحة ورحمة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالحنفية السمحة)، ويقول الله تعالى: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) ويقول أيضاً: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ).
ووصف الله تعالى الأمة فقال فيها: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) فأمة الإسلام هي خير أمة، فهي الأكثر حكمة وصلاحاً ومنهجاً قويماً، من هنا تكون النظرة لكل من شذ وتطرف، فإنه قد جافا الشريعة الإسلامية وانحرف عن منهجها القويم، وقيمها وأخلاقها العليا.
والمؤسف أن التطرف في الفكر والرأي والسلوك أصبح ظاهرة في المجتمعات الإسلامية، وهي ظاهرة خطيرة تهدد المسلمين في دعوتهم وصحوتهم، فالتطرف يعطي صورة عن الإسلام على خلاف حقيقته وهذا يشكل إساءة كبيرة لهذا الدين الحنيف.
لذا فإن التطرف بالنسبة للأمة الإسلامية عامل ضعف داخلي هدام هو أشد خطراً على الأمة من عوامل الضعف الخارجية.
الجهل والهوى
س. برأيكم ما هي الأسباب التي ولدت هذه الأفكار لدى هؤلاء الأفراد؟
هذا الفكر ينشأ في ظروف غير عادية وتتقاطع فيه مجموعة من العناصر منها؛ الحقد والعداوة للأمة، الجهل، الهوى، قلة الحكمة والتعجل في الأمر، وهذا واضح في تاريخ الأمة، فحيث وجدت ظروف فتن ومحن وجدنا من يحقد على الأمة من أعدائها والمنافقين يسارعون إلى إثارتها بنشر الشائعات والأكاذيب، وتحريض المسلمين على بعضهم وفتنة عثمان بن عفان رضي الله عنه شاهد كبير على ذلك.
والجهال من الناس هم الميدان الخصب فينفخ فيهم التضليل والأكاذيب، وعندما يتوج هذا بالهوى الذي يصم الإنسان ويعميه عن الحق، فإن ذلك يدفعه إلى طريق الشر، وقتل الإمام علي رضي الله عنه هو أعظم شاهد على ذاك الأمر فقد قتله الخوارج تقرباً إلى الله، و قتلوه وهم يظنون أنهم يحسنون صنعا .
ومن المعلوم أن الأمة الإسلامية تعيش حالة غير عادية، فقد تكالبت عليها الأمم حتى وصل حالها إلى ما هو عليه، من الهون والضياع؛ فتعيش الأمة حالة من الظلم وأخطر مظالم الأمة ما تعرضت له فلسطين وما زال مستمراً، فهذه الحالة من الفتنة المزلزلة للأمة إن لم يلتزم المسلم بأمر الله فإنها قد تخرجه عن صوابه وقيمه ومنهجه الأصيل.
عن خباب قال أتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فشكونا إليه فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا فجلس محمرا وجهه فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض ثم يؤتى بالمنشار فيجعل على رأسه فيجعل فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء وحضرموت ما يخاف إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون».
فغضب النبي صلى الله عليه وسلم بسبب خروج هذا النفر من الصحابة عن الصبر وعن حكمة الدعوة، فدعوة الله منتصرة لا محالة، وأمره ماض، وما علينا إلا التمسك بأصالة هذا الدين وحكمته حتى يأتي أمر الله.
وهناك أهل حقد وضغينة بالمسلمين يبذلون من أجل تفتيت الصف، وتصوير الأمة الإسلامية على نحو يجعل بينها وبين الأمم حجاباً وحاجزاً.
وكل هذه المعاني تتجسد عند أهل التطرف والغلو في فلسطين، فينطلقون من حالة الاحتلال والمقاومة المرتبطة به، مع جهل، وجرأة على دين الله، وهوى، فينصّب الجاهل من نفسه عالماً يقول في أمر العامة فيَضل ويُضل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
فالجاهل لا يعلم أن لكل أمر حِكمة وقيم تحكمه، فالجهاد له قيمه الشرعية التي تحكمه، وله مقاصد وغايات تضبطه، وسياسة أمر الناس وإقامة شرع الله فيهم أيضاً له ضوابطه وقيمه الشرعية التي توقعه على جهة الصلاح، بل دعوة الناس إلى الخير لها ضوابطها وقيمها التي تجعلها إيجابية مثمرة محببة إلى القلوب والنفوس، فكل ذلك يفتقر إلى الحكمة التي تجعله محققاً لنا المصلحة دافعاً عنا المفسدة، وأي خروج عن هذه الحكمة إنما هو غلو وتطرف وانزلاق عن جادة الصواب إلى تيه الظُلم.
البعد عن التشدد
س. هل تختلف هذه الجماعات فكرياً مع التيار السلفي؟
إن الإسلام دين الوسطية والسماحة والرحمة والتيسير، وأي منهج اجتهادي يجب أن لا يخرج عن هذه القيم، ونحن مع الاحترام لكل من يتصف بصفة العلم والاجتهاد، يجب القول بأن المنهج الظاهري الذي اعتمده عدد من العلماء في زماننا فهماً للنص وحكماً على الوقائع إضافة إلى الحدية في باب التشريع يعد رافداً أساسياً للفكر المتطرف؛ فمن أهم ملامح التطرف والغلو الواقع هو التعامل مع مسائل الفروع والاجتهاد كما لو كانت مسائل عقيدة، وهناك فارق كبيرة بينهما فالعقيدة حدية، والتشريع سمته المرونة والسعة وتعدد الرؤية، فإذا حُكم على الفروع الفقهية بمنطق العقيدة فإن ذلك يفضي إلى خلل كبير.
وهذا يوجب على كافة العلماء الأجلاء الحرص الشديد، والبعد عن الجمود والتشدد وحرفية الفهم، حتى لا يأخذ الجهال من منهجهم منطقاً ضالاً ينطلقون به بجهالة وهوى.
س. كيف تفسر تفجير هؤلاء أنفسهم في أفراد الشرطة؟
لا شك أن من فجر نفسه قد خضع لعملية تضليل كبيرة، وقد سيطر على عقله سوء الفهم والهوى وكما قلت سابقاً يكفي لفهم هذا السلوك المبني على سوء الفهم والهوى فعل الخوارج من خلال قتلهم الإمام علي رضي الله عنه قربة لله .
تطبيق الشريعة
س. البعض يقول إن الخلاف بين هؤلاء الأفراد وبين الحكومة هو على تطبيق الشريعة الإسلامية، كيف تردون على ذلك؟
إن تطبيق الشريعة قضية يطرحها هؤلاء اعتراضاً على الحكومة، وإلا فإن سلوك هؤلاء هو نتيجة مجموعة عوامل قد أشرت لها سابقاً.
ووصف هؤلاء للحكومة أنها لا تطبق الشريعة وصف غير صحيح وبعيد عن الحق والصواب، فهم يرسمون تصوراً لتطبيق الشريعة ويقيسون الأمور من خلال هذا التصور، وهذا غير صائب؛ لأن الحكومة عملياً ملتزمة بالشريعة منهجاً تقضي به بين الناس؛ إلا أنها حكومة موجودة ضمن واقع والتحول بهذا الواقع بكل ما فيه إلى الواقع الإسلامي بكل دقائقه ليست عملية سحرية تتم في لحظة، بل هي عملية مستمرة ضمن منهج أصيل وعميق، وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخذ الناس رويداً رويداً حتى تحقق له ما يبتغي من إعلاء كلمة الحق وسيادة الدين.
ثم هناك خلل كبير عند أصحاب الفكر المتطرف؛ إذ إنهم بمنطقهم يصورون الشريعة بالدموية، والحرص على عقاب الناس، وهذا يجافي حقيقة الشريعة تماماً، بل من أبجديات القضاء في الشريعة هو الحرص الشديد من القاضي على تحري القضية من كل جانب لعله يجد فيها ما يدرأ الحد. وأما الحكومة فهي جهة مسئولة واجبها أن تتصرف بحكمة وبفهم عميق وإدارة الأمور بفقه الموازنات والأولويات، ومظلتها أن تسلك بالناس الطريق الأعدل والأرفق والأيسر ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
فالشريعة منهج حياة تأخذ بيد الإنسان إلى طريق الصلاح والرشاد، فالشريعة تساير الفطرة وترعى الإنسان وتحمي مصالحه، فهي منهج رحمة بالإنسان ويجب أن تصور وتطبق على هذا النحو.
مراتب التغيير
س. هل يجوز شرعاً لهؤلاء الأفراد تنصيب أنفسهم حكما عبر تفجير بعض محلات الانترنت والكوافير واستهداف الأفراح؟
إن منهج التغيير والإصلاح منهج راشد يتصف بالحكمة والشفافية وهو بذلك منهج أصيل في الشريعة الإسلامية، وعبر عن هذا المنهج ما رواه أبو سعيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».
فالحديث يشير إلى درجات التغيير فهو على مراتب، ومن أبجديات الترتيب ملاحظة ما يترتب على تغيير المنكر، فإذا ترتب على إزالة المفسدة مفسدة أعظم فالترك أولى، وقد اتفق العلماء على أن الأفعال بمآلاتها، فكل فعل وإن كان حسناً فينتهي إلى مفسدة فهو فاسد.
ثم إن التغيير بالفعل المادي هو اختصاص ولي الأمر أصالة، والدعوة هي الأسلوب الأول الذي يجب أن ينتهجه الدعاة، وهو الخطوة الأولى لكل الأنبياء عليه الصلاة والسلام، فما علمنا نبينا بدأ التغيير باليد.
وأما تفجير المحلات والأعراس فهذا أسلوب ليس للإسلام به علاقة، ولو وجدت الخلافة الراشدة في الأرض وكان للإسلام منعه، فلا يمكن أن يكون هذا أسلوباً بما فيه ترويع الآمنين، وتهديد الناس جميعاً، فمثل هذا الفعل لا يخرج إلا عن جهل وضلال وضياع وانحراف وحقد وكراهية لا يفعله إلا مرضى النفوس والعقول.
س. ما هو المطلوب من العلماء والمشايخ الآن لتصحيح هذا الفكر وإعادة هؤلاء إلى وسطية الإسلام؟
مطلوب أولاً من العلماء التزام وسطية الإسلام، ويجب على العلماء التزام حدودهم فكل يعمل في تخصصه، ويخدم الدين من جانب هذا الاختصاص، ويجب أن يتصدى للفتوى من هو أهل لها.
ويجب على العلماء في الأمور العامة التزام منهج شفاف يبتعدون فيه عن الهوى، فيقولون في دين الله بالحق والعدل فإذا تحقق للعلماء وسطية المنهج كان ذلك هو الخطوة الأولى والأهم في معالجة الانحراف والتطرف.
ومن كانت هذه صفتهم أمكن لهم توجيه الناس جميعاً إلى الوسطية مستعملين كافة الوسائل المتاحة من منبر وإذاعة، وتلفاز ومجلة، وموقع إلكتروني.

