إن الطبيعة الوثيقة للعلاقات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ودأب (إسرائيل) على إطلاق الحروب يعني أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تتولى أيضا مهمة اختبار أنظمة الأسلحة الجديدة في حروبها على غزة وكأنها حروب حقيقية ومتكافئة، لصالح الولايات المتحدة ولصالحها الخاص. وبالتالي فإن إمدادات الأسلحة الأمريكية (لإسرائيل) قد شجعتها إلى حد كبير لشن حروب متوالية على غزة، مع العلم أن الطراز الأقل فعالية من نفس هذه الأسلحة يباع بأسعار مهولة إلى دول عربية تقوم في الواقع بتمويل صناعة الأسلحة الأمريكية والمنح العسكرية الأمريكية (لإسرائيل).
فالولايات المتحدة تسمح (لإسرائيل) بالاشتراك في عدة برامج لتطوير وصناعة الأسلحة، ما يعني أنها بالإضافة إلى إمدادات السلاح، تستفيد أيضا استفادة ضخمة من نقل التكنولوجيات العسكرية المتطورة إلى جهازها العسكري، فكثيرا ما قامت (إسرائيل) بصناعة وتطوير أسلحة بمواصفات تكنولوجية عالية، مثل الدبابات من طراز ميركافاة والأسلحة الأوتوماتيكية من طراز عوزي والطائرات من طراز طائرة بدون طيار والصواريخ من طراز القبة الحديدية المضادة للصواريخ. كما أن (إسرائيل) مسموح لها بالاطلاع على برامج ومعلومات مخابراتية، ضمن قائمة طويلة من المزايا التي تحصل عليها من الولايات المتحدة.
ومن الجدير بالذكر أن إدارة بوش الابن وحدها قد زودت (إسرائيل) بمعونات "أمنية" تجاوزت قيمتها 21 مليار دولار على مدار الثماني سنوات، تشمل 19 ملياراً كمساعدات عسكرية، كما تعاقدت الولايات المتحدة على مبيعات أسلحة (لإسرائيل) قدرها 22 مليار دولار في عام 2008 وحده، بما يشمل صفقة مقترحة لتزويدها بـ 75 مقاتلة و"إف-35"، و 9 طائرات نقل عسكرية، و4 قطع بحرية مقاتلة. وليس إدارة الرئيس أوباما أقل دعماً من الإدارة السابقة، حيث تزويد (إسرائيل) برزمة مساعدات أمنية وعسكرية، وصفت بأنها الأكبر في التاريخ والتي تقدر بنحو 30 مليار دولار خلال 10 سنوات، وتعتزم زيادة هذه المساعدات، إضافة لذلك طلبت إدارة الرئيس اوباما لهذا العام من الكونجرس مساعدات أمنية وعسكرية إضافية (لإسرائيل) تصل إلى 2.775 مليار دولار.
كما أن إدارة أوباما لا تريد ممارسة نفوذها العريض، باعتبارها أكبر داعم سياسي وعسكري (لإسرائيل)، لإقناعها بالتخلي عن ادعائها بالدفاع عن النفس وهي التي تمتلك جميع عوامل القوة والسطوة بفرض الحصار والإغلاق وتشن الحروب وتخترق التهدئة كي ترتكب عقابا جماعيا وتخرق حقوق الإنسان وتشن هجمات جماعية وغير متكافئة وتصيب المدنيين وتقتلهم بدون ذنب، حيث استخدمت القوات الإسرائيلية مقاتلات "إف-16" ومروحيات "أباتشي" أمريكية وقنابل الدايم والارتجاجية والقنابل الفسفورية أثناء عملياتها الجوية والبرية على غزة، كتلك التي قتل فيها 40 فلسطينيا أثناء احتمائهم في مرفق تابع للأمم المتحدة في حرب الرصاص المصبوب وكذلك حرب الأيام الأربعة الأخيرة التي قتلت خلالها 27 مدنيا في غزة.
أليس استخدام (إسرائيل) لأسلحة أمريكية في غزة قد يشكل انتهاكا لمتطلبات قانون مراقبة تصدير السلاح لعام 1967؟. حيث يحدد هذا القانون الشروط التي يمكن للدول بمقتضاها استخدام أنظمة الأسلحة الأمريكية، أساسا لأغراض "الأمن الداخلي" أو "الدفاع المشروع عن النفس"، وليس شن الحروب على شعب محتل أعزل، أو شن حروب غير متكافئة.
الولايات المتحدة صاحبة المعايير الثلاثة، حين تعتبر نفسها أكبر مصدر للأسلحة في العالم، وأكبر دولة ديمقراطية في العالم، وأكبر راعية للسلام في العالم، فهي التي تمد (إسرائيل) بالأسلحة الفتاكة لضرب غزة، وكأن غزة أصبحت حقل نيفادة لتجريب الأسلحة الأمريكية المتطورة والحديثة التقليدية وغير التقليدية بأنواعها وأصنافها وأحجامها وكمياتها المتفاوتة التي تلقيها (إسرائيل) عليها بين الفينة والأخرى وتصيب الكائن الحي والجماد وتعمل على تلوث البيئة وانتشار الأمراض والأوبئة وتشوه الأجنة، وكأن غزة عبارة عن قارة تستطيع أن تتحمل هذا الكم الهائل من الأسلحة المدمرة، التي لو ألقيت على دول لأبادتها.
فالولايات المتحدة التي تدعي أنها راعية السلام وصاحبة خطة خارطة الطريق يجب عليها أن تحافظ على الأمن والسلم الدوليين ومراقبة تصدير الأسلحة واستخداماتها، فهي تتحمل المسؤولية الكاملة عن الجرائم الإنسانية التي ترتكب في غزة من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهي غير معافاة من القانون الدولي ويجب مساءلتها قانونيا على الأسلحة المحرمة دولياً التي تعطيها (لإسرائيل) والتي تستخدمها لقتل المدنيين في غزة.

