أخبار » مقالات

انسحاب أحادي

05 أيلول / يونيو 2012 02:32

الانسحاب أحادي الجانب الذي يتردد في الفكر السياسي الصهيوني هو في جوهره فكرة استعلائية، يتعالى به الصهيوني على ما عداه. الاستعلاء نزعة نفسية، وفكرة سياسية، صاحبت الشخصية الصهيونية، وصاحبت الاحتلال الصهيوني لفلسطين المحتلة، وعبّرت عن نفسها في المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، وتجسدت على أرض الواقع في الانسحاب الأحادي من قطاع غزة بقرار من الجنرال شارون، الذي جسد الرمز اليهودي في التعالي، والشعور بالعظمة.

 

الفكر السياسي الصهيوني المستعلي بطبيعته البنيوية، وبعامل القوة التي تمتلكها دولة الاحتلال يرفض التدخل المباشر للأمم المتحدة في حل الصراع، ويتهم الأمم المتحدة بالانحياز للفلسطينيين، وهو الفكر نفسه الذي يرفض دورًا فاعلاً للاتحاد الأوروبي، بل وحتى للإدارة الأمريكية خارج الرؤية الصهيونية. وهو الفكر الذي سبب المتاعب الكبيرة لليهود في العالم في الحرب العالمية الثانية.

 

انطلاقًا من هذا الفكر الاستعلائي صرح (باراك) وزير دفاع حكومة نتنياهو عن رغبته في تطبيق انسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية المحتلة. وقد ذكرت هآرتس أنه ربما نَسَّق هذه الفكرة مع نتنياهو نفسه، حيث لاذ الأخير بالصمت، بينما حظيت الفكرة بتأييد مباشر وعلني من (عاموس يدلين) الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، وحجته تكمن في نقطتين: الأولى/ عدم جاهزية الطرف الفلسطيني للتواصل إلى تسوية؟! والثانية/ لضمان أن تكون هناك دولة يهودية ديمقراطية ذات حدود معروفة.

 

لقد انسحب (باراك) حين كان رئيسًا للوزراء من جنوب لبنان انسحابًا أحاديًا، وانسحب شارون من غزة انسحابًا أحاديًا، وكلاهما استجاب في ذلك إلى النزعة الاستعلائية التي تسكن الشخصية اليهودية المسكونة بغطرسة القوة، لأن الانسحاب الأحادي يقوم على (الردع) العسكري، ولا يقوم على الاعتراف بحقوق الآخر الفلسطيني أو اللبناني.

 

وبهذه المناسبة أنا أتوقع حدوث ذلك يومًا، لأنه في الفكر السياسي الصهيوني هو السيناريو الوحيد المتبقي للخلاص من مأزق احتلال شعب آخر، بإقامة دولة له ذات حدود مؤقتة، ويحتفظ فيها الإسرائيلي بالقدس والمستوطنات، والأغوار، ويفرض على الفلسطيني أمرًا واقعًا لا يستطيع أن يرفضه، أو قل لا يملك فرصة عملية لرفضه في الميدان.

 

في الانسحاب الأحادي الجانب يحقق الفكر الصهيوني نفسه، وبه يواجه أزمة العلاقة مع الغرب والأمريكان، ويحل مشكلة الاحتلال التي يرفضها الرأي العام، ويستجيب لفكرة يهودية الدولة، ونقاء الشعب، ويجد به حلاً لمشاكل عنصرية عديدة.

 

ثم هو ليس انسحابًا في الجوهر، بل هو إعادة انتشار للقوى العسكرية في الميدان، إنه لا عودة لحدود 1967م، ولا تنازل عن القدس والمستوطنات حولها، ولا عن الأغوار والبحر الميت. لذا فإن استخدام مصطلح الانسحاب فيه تضليل كبير للرأي العام، وللمواقف العربية والدولية. لقد شهدت غزة انسحابًا أحاديًا، ولكنها مازالت محتلة في القانون، ومحتلة في الميدان من الجو والبحر والمعابر. الانسحاب الأحادي هو تحويل لمنطقة جغرافية إلى سجن كبير لمن يقيم عليها، لا يملك الأفراد فيها حرية الخروج أو التنقل إلا بموافقة الاحتلال.

 

لا يمكن النظر بثقة لاعتراض هيلاري على فكرة الانسحاب الأحادي، فتصريحاتها لا تتجاوز الموقف الإعلامي الذي يرغب في تسجيل موقف للتاريخ. الانسحاب الأحادي يقوم على فكرة أنا آخذ كل ما أريد، حين تتردد أيها المفاوض الفلسطيني أن تعطيني ما أريد. أنا الصهيوني القوي والمنتصر، وأنت الضعيف المهزوم، وأنا صاحب القرار، وقد قررت أن أعطيك دويلة مؤقتة، لا أكثر.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟