على الرغم من سقوطها في الخامس من حزيران عام 1967 في يد الاحتلال الإسرائيلي ستبقى مدينة الصلاة وفيها نصلي، والعيون ترنو إليها وترحل في كل يوم ، تدور في أروقة المعابد، تعانق الكنائس القديمة وتمسح الحزن عن المساجد، بها ليلة الإسراء فهي درب من مرّوا إلى السماء، وما زالت العيون إليها ترحل كلّ يوم على أمل الصلاة فيها، حيث الحرمان بقرار من سالب الأوطان الاحتلال .
لتبقى شامخة بشموخ أبناءها الذين يزودون عنها بكل غالى ونفيس، تقرباً لله وفى سبيله حيث مدينة القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، ليحل عليها رمضان معلناً التحدي لسجان باحاته حيث نسمات الحجر العتيق الذي امتزجت لبناته بأقدام الرسل، وكانت سمائه بوابة الانطلاق نحو السبع سماوات، ليكون لرمضان مذاق آخر يعشقه كل من أحياه به ويتشوق إليه كل محروم .
الاعلامى د. خالد معالى من الضفة الغربية وصف رمضان بالحزين هذا العام حيث جاء وجاءت معه حلاوة صيامه في المسجد الأقصى المبارك، وأداء الصلاة في أروقته وساحاته، لتأتي أولى جمع رمضان وقد حرم أهلنافي غزة من الوصول إليه كما هو في الضفة الغربية إلا لمن هم فوق 45 عاما.
وقال معالى :" لا يختلف اثنان على أن المسجد الأقصى؛ بات مكبلا بكل أنواع السلاسل وألوان الحزن من قبل الاحتلال، وذلك بيّن وواضح من خلال منع رواده المصلين من الضفة الغربية من الصلاة فيه، ومنعه عن مليار ونصف من المسلمين".
وأكد أن المسجد الأقصى منذ 49 عاما، وعام "النكسة"يبكى ، لطول فترة أسره المتواصلة وحرمانه من رواده، وتبكي معه مدينة القدس -أرض الإسراء والمعراج- لشدة مصابها في شهر رمضان، دون أن تجد من تصيبه الحرقة والغيرة لمصابها والاكتفاء بالفرجة على هدم منازل المقدسيين وطردهم وسجنهم ونفيهم عن القدس المحتلة.
ما قبل الـ67
وبين حسرة المصلون من أهالي الضفة الغربية على ما قبل عام 67؛ أيام زمان الجميلة، حيث الاشتياق لها ، بقوله :" لقد كان المسجد الأقصى مفتوحا طوال العام للصلاة فيه دون حواجز أو عوائق أو تفصيلات وممنوعات وتقسيمات للأعمار فوق الخمسين وتحت الخمسين، ودون القفز عن الجدار أو الجرح والاعتقال لتحقيق أمنية الصلاة في الأقصى".
وأضاف :" كما أن الروحانيات الجميلة، ولذة العبادة، والنفحات الإيمانية في باحات المسجد الأقصى، باتت بحاجة لتصريح لها من قبل سلطات الاحتلال، والتصريح مؤقت بحسب مزاج ضباط المخابرات وتقديراتهم القائمة على أمن مزعوم كله هوس غير موجود على أرض الواقع ".
وتابع :" بالرغم من أن القوانين والمواثيق الدولية لا تسمح بالمساس بحرية العبادة تحت أي حجة كانت، إلا أن تذوق حلاوة الإيمان، والتنعم بهدوء النفس والروح في باحات المسجد الأقصى، بات أمنية وحلمًا لا يتحقق، وأمرًا لا يطاله أكثر من مليار ونصف من المسلمين ".
ففي أول جمعة من شهر رمضان، حرم الاحتلال آلاف الفلسطينيين من الصلاة في المسجد الأقصى، فلم يتجاوز عددهم 100 ألف، في حين كانوا في العام الماضي 250 ألفاً. وعزل الاحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة، ولم يسمح لأهل الضفة والقطاع بالعبور سوى للحالات الطارئة. وبررت قوات الاحتلال فرضها الطوق الأمني، بحلول عيد نزول التوراة لدى اليهود.
ويضاف منع الفلسطينيين من الدخول إلى القدس والأراضي المحتلة خلال رمضان إلى القيود اليومية التي يفرضها الاحتلال ومنها دخول باحة الأقصى، ما ينذر بتنامي الغضب الفلسطيني، خصوصاً في شهر رمضان.
صلاة وقيود
وأكد أن عشرات آلاف المصلين يملؤون باحات المسجد الأقصى، ويصطفون بسلاسة ورتابة ونظام دقيق، على الرغم من توجيه مئات البنادق نحو صدروهم، الأمر الذي يغيظ الاحتلال، وإن كانت مطلوبة إغاظته فهي ليست كافية؛ فالمطلوب الخلاص النهائي من المحتل الغاصب وكنسه لمزابل التاريخ.
"من يدخل المسجد الأقصى؛ يفخر بفلسطينيي الـ 48 الذين برغم محاولات "الأسرلة" والصهر؛ يشدون الرحال للأقصى ويحمونه ويفدونه بالروح والمال، ويملئون جنباته وأروقته رغم أنف جنود الاحتلال المدججين بالسلاح :" على حد وصفه.
ويضيف :" أما أهالي القدس فيشعرون بنوع من المؤازرة في رباطهم وحمايتهم للقدس، عندما يرون ما يؤازرهم من فلسطينيي الـ 48 وهم يتكبدون المخاطر لزيارة القدس والصلاة في المسجد الأقصى المبارك؛ وهو مما يغيظ الاحتلال ويملؤه قهرا".
وطالب معالي الفلسطينيون بضرورة زيادة أجرهم في رمضان إلى جانب الصيام بالدعاء لأهل القدس بالثبات داعياً وسائل الإعلام إلى تسليط الأضواء على معاناتهم، من تهويد للمقدسات، وتهجير وطرد، وهدم للمنازل، وملاحقة حتى أطفالهم وسجنهم.
وأكد أن المصلون القليلون من الضفة الذي يسمح لهم الاحتلال بزيارة القدس المحتلة، يتمنون ألا يتعرضوا للتفتيش والإهانه والحطّ من الكرامة والسير تحت ظلال أعلام الاحتلال المستفزة فوق أسوار القدس العتيقة، لافتاً أن هذه الأمنية طال وقتها، وقد حان أوانها على يد قادة وجند مخلصين لله، همهم التخلص من الاحتلال وليس التعايش معه، ويعدون العدة لذلك؛ بمزيد من التسلح بالإيمان والعتاد والتجهيز لذلك، "ويرونه بعيدا ونراه قريبا".
شوق وحنين
بدوها، جعلت أم أنور من غزة والبالغة من العمر 70 عاماً قلبها معلقاً في باحات المسجد الأقصى المبارك بقولها :" لو استطيع البقاء ما خرجت من هناك أبداً ".
لتشارك أم أنور ، معالى فيما يتمتع به المسجد الأقصى من نفحات روحانية وطقوس رمضانية يعشقها كل من عرفها ويتمناها من لم تطأ أقدامه باحاته بعد، حيث التواشيح الدينية وصلاة التراويح وقراءه القرآن بين جنباته فتقول:" لقد كنت فيما مضي وقبل أن يمنع الاحتلال ويحرم أهل القطاع من التنقل بين الضفة وغزة دائماً أقوم بزيارة المسجد الأقصى فمن يذهب هناك يتمنى البقاء فيه دون العودة .
وأضافت:" الوصف لذاك المكان القدسي يختلف عن الإحساس والشعور الذي يعتليك وأنت تقف في باحاته، ياسر القلوب لذا أجد أن بذل الروح في سبيله يكون رخيصاً "
وأكدت أن لولا عجزها عن التنقل بسبب كبر سنها وما قد تواجهه من صعوبات وعراقيل أثناء الذهاب إليه من قبل الاحتلال ، لما توانت للحظة للصلاة فيه متمنية بأن يزول الاحتلال ويحرر المسجد الأقصى من دنس المحتلين .
ولتبقى الطقوس الرمضانية تزين باحات المسجد الأقصى على الرغم من طول مدة أسره، وستبقى تنشر المظلات في مختلف أنحاء المسجد الأقصى وتجهز المراوح لرش الماء في المسجد الأقصى؛ للتخفيف من أيام الحر على المصلين.

