كعادتها بين فترة وأخرى تأبى سلطة رام الله إلا أن تطل علينا برأسها، عبر تصريحات ومواقف مختلفة أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها مخزية بحق الدين والوطن والشعب، إن لم تكن وصلت لصفة الخيانة الوطنية والتفريط الواضح بالمقدسات والحقوق والثوابت، تصريحات ومواقف لا تشكل خطئاً بقدر ما تشكل حالة من الإصرار على خطيئة ترفضها وتشجبها جميع فئات وشرائح الشعب الفلسطيني، وكأني بمطلقي هذه التصريحات ومتخذي تلك المواقف يخرجون ألسنتهم في كل مرة لتضحيات ونضالات أبناء شعبهم، ويضربون بآلامه وآهاته عرض الحائط.
فما بين تصريحات الرئيس محمود عباس والتي تحدث فيها مشيدا "بالتنسيق الأمني" مع الاحتلال، ومفاخرا بإعادة 96 جندياً "إسرائيلياً" دخلوا أراضي الضفة المحتلة بكامل عتادهم، وتم إعادتهم إلى بيوتهم وقواعدهم العسكرية "سالمين غانمين، معززين ومكرمين"، معترفاً أن خطف الجنود ليس من ثقافته ولا ثقافة سلطته "الوطنية"، منعماً في ذات التصريحات على الاحتلال بصفة "جيراننا"، مستجدياً إياهم بإطلاق سراح أسرانا وإحقاق حقوقنا التي اغتصبوها عنوة.
ما بين هذه التصريحات للرئيس محمود عباس وموقف وزير أوقافه محمود الهباش الذي دعا مؤخراً لعقد مؤتمر تطبيعي بين رجال الدين المسلمين والحاخامات اليهود من "الإسرائيليين"، في تركيا بدعوى الحوار بين الأديان والتقارب بين العقائد، على أن يعقد لاحقاً داخل أراضينا المحتلة عام 1948م، ما بين هذه التصريحات وتلك المواقف رابطا واضحا وعلاقة قوية بالجهود الأمريكية الرامية لإعادة إحياء عملية التسوية ومفاوضاتها من قبرها.
لا يمكن بأي حال من الأحوال النظر لهذه التصريحات بعيداً عن الحراك الأمريكي الجاري بقيادة وزير الخارجية جون كيري ومخططه للسلام الاقتصادي، مما يتطلب تهيئة المناخ لإعادة المفاوضات وترتيب الأجواء لاحياء عملية السلام، وتأكيد البعض لتبني ذات المواقف المخجلة التي لم تجر على الشعب الفلسطيني سوى الويلات والنكبات، وكأن البعض آثر أن يعيش أبد الدهر في المستنقعات وبين الحفر.
هذه التصريحات والمواقف أصدق واقع لخشية القائد الفلسطيني صلاح خلف من أن تصبح الخيانة وجهة نظر، وتعيد للأذهان سلسلة من المواقف والتصريحات السابقة المخزية للرجلين، تصب من جهة في خانة خدمة الاحتلال ومخططاته والخنوع والذل والهوان والرضا بما يجود به علينا من حقوقنا المسلوبة، ومن جهة أخرى معاداة الشعب الفلسطيني والتنكر لتضحياته، وعدم الأهلية للحفاظ على ثوابته وحقوقه ومقدساته.
لكلاهما نقول لم ينس الشعب الفلسطيني تنازلك عن حقك في صفد وإقرارك برغبتك عدم العودة إليها، كما لم ننس تسفيهك للمقاومة وخطفها لشاليط ومطالبتك بتسليمه دونما شروط، وأيضا لم ننس وصفك للمقاومة وصواريخها بالعبثية والمشبوهة، ولم ننس كذلك فتواك المريبة ودعواك لزيارة المسجد الأقصى تحت حراب الاحتلال، في دعوة واضحة للتطبيع والرضا بواقع الاحتلال، أخاطبكما بلسان واحد لأن الهدف من هذه التصريحات واتخاذ تلك المواقف يخدم ذات السياسة ويتبنى نفس الأجندة، وكأن حقيقة بعض البشر يصدق فيها القول المأثور "ما بال أقوام أعمارهم تزيد بالأرقام، وعقولهم وصورهم تصغر بالمواقف".

