يزور جون كيري المنطقة للمرة السادسة، ولكن حال المنطقة في هذه الجولة ليس كحالها في المرات السابقة . المشهد في مصر وسوريا وفلسطين ولبنان والخليج العربي مرتبك على نحو لم يسبق له مثيل .
مصر (الدولة والنظام السياسي والمجتمع) على كفّ عفريت كما يقولون، فلقد عمق الانقلاب الأزمة وأضاف إليها من التعقيدات ما لا تحتمله الأطراف، وامتدت تعقيدات المشهد المصري إلى المنطقة الأغنى مالياً في العالم العربي، حيث اكتشف المصري أن دول هذه المنطقة كانت تتدخل في شأنه الداخلي بشكل سافر من وراء ستار، وامتدت تداعياته السلبية على المشهد السوري والمشهد الفلسطيني، حيث قويت شوكة الكراهية ضد الفلسطيني والسوري من خلال بعض الإجراءات العملية المتسرعة كتشديد الحصار على غزة وهدم الأنفاق بدون إيجاد البديل، وحرمان السوريين من دخول أرض الكنانة، واتهامهم بالإرهاب .
يزور جون كيري المنطقة في ظل هذا المشهد المرتبك حيث تحرص جميع أطراف المشهد على التقرب من أميركا وتقديم الولاء لسياستها للحصول على رضاها .
أميركا هي الدولة الأقوى، وهي الدولة الأعرف بحالة الارتباك والضعف العربي، وهي ترى أن الظرف الحالي هو الأكثر مناسبة للحصول على تنازلات عربية وفلسطينية لصالح إسرائيل، ولصالح مشروع التسوية . القوي هو الأقدر دائما على ابتزاز الضعيف، والمرتبك الخائف من المجهول هو الأسرع دائما إلى التنازلات وإلى الرضا بما يملى عليه.
قد تكون زيادة (جون كيري) مقررة سلفاً قبل ارتباك المشهد المصري، والسوري والخليجي على هذا النحو، ومع ذلك فإن لقاءه بأحد عشرا وزيراً من وزراء الخارجية العرب في عمان قبل لقاء الملك عبد الله ثم لقاء محمود عباس يقول إن الإدارة الأميركية لا تفوت الفرص المناسبة لتسويق رؤيتها عربياً وابتزاز الأطراف وهم في أمس الحاجة لأميركا .
قلنا في مقالات سابقة إن الإدارة الأميركية لا تحمل رؤية جديدة للتسوية، وإن المتداول بين الأطراف هي الرؤية الإسرائيلية، وإن كيري يبذل جهوداً وضغوطاً على الجانب الفلسطيني لكي يقترب من الموقف الإسرائيلي، لذا فهو يستعين بقادة النظام العربي الذين يعانون الآن من حالة ارتباك غير مسبوقة.
الآن ثمة سوطان غليظان يجلدان الظهر الفلسطيني : الأول هو سوط أميركا والآخر هو سوط النظام العربي المرتبك و الخائف من المجهول .
المشهد المرتبك في مصر وفي الخليج وفي سوريا وفي غيرها هو الأخطر على القضية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو وحتى الآن. الظرف الذي تحياه القضية الفلسطينية الآن لا يتطلب مفاوضات، وإنما يتطلب صمودا، وصبرا، وتعليقا وتجميدا لمفاوضات التسوية إلى حين زوال الارتباك من المشهد الفلسطيني والعربي على الأقل.
من الملاحظ أن جون كيري يبدي تفاؤلاً بنجاح مهمته، وهذا أمر يخصه ويخص مستقبله السياسي، ولكن الواقع يحكي عكس ذلك فما زال الموقف الإسرائيلي على حاله، وما زالت عطاءات الاستيطان تنشر في الجرائد بمئات الآلاف من الوحدات السكنية، ولا يستطيع عباس أو غيره أن يقدم لكيري التنازلات التي يريدها، غير أن سوط النظام العربي مؤلم دائماً وفي حالة الارتباك يكون أشد إيلاماً، والله يستر . آمين .

