أخبار » مقالات

الأمريكان .. وزمن "الإسلاميين"

20 أيلول / أغسطس 2013 01:58

م. أحمد أبو العمرين

كعادتهم، يُثير الأمريكان الجدل في مواقفهم من قضايا الأمة العربية والإسلامية، بشكلٍ متعمّد أحياناً وبغير ذلك أحياناً أخرى، وسبب الارتباك الذي يصيب الكثيرين في قراءة مواقفهم هو عدم المعرفة التامة بالعقلية الأمريكية في التعامل مع القضايا السياسية وآلية اتخاذهم للقرارات والمواقف المصرية، هذه الآلية التي تُخضع كل شيءٍ للمصلحة، و"المصلحة" فقط كقيمة عليا بعيداً عن أي اعتباراتٍ أخرى من العواطف والمبادئ وأي قيم حضارية أو إنسانية أخرى.

ويشتد الجدل والإرباك في فهم مواقف أمريكا مما يسمونه "الإسلام السياسي" والتعاطي مع "الإسلاميين" خصوصاً في ظل ربيع الثورات العربية التي قدّمت الإسلاميين لصدارة المشهد.

وفي هذا الصدد فأعتقد أن الأمريكان هم أكثر الأطراف فهماً لما يجري في المنطقة ولتوجهات الشعوب ... بل حتى أكثر من الأنظمة والأحزاب الليبرالية المستبدّة في بلادنا !!

فهم منذ سنوات أدركوا أن كل شعوب المنطقة متوجّهة لـ "لإسلام" كمشروع حضاري إنساني وموجّه قيمي، خصوصاً بعد تهالك الأفكار والمناهج الأخرى من يسار ويمين، وتعي تماماً أن لا سبيل لثنْي الشعوب عن ذلك بأي شكل من أشكال الاستبداد والجبروت، فلذلك رأت أنه إذا كان ولا بد من التسليم بهذه الحقيقة فالأفضل لمصالحهم وجود "الإسلام المعتدل" في الحكم وتياره الأكبر "الإخوان المسلمون" ، وليس "التيارات الإسلامية المتشدّدة" . ففاتورة الحساب مع هذه التيارات المتشدّدة بالنسبة للأمريكان طويلة ودامية، والتجربة الأمريكية تعي جيداّ أن تنامي هذه التيارت يهدّد مصالحها في المنطقة حتى إذا لم تصل لأراضيها، فالوعي الأمريكي يستحضر دائماً أن سفاراتها التي استُهدفت في أفريقيا انطلق منفّذوها من باكستان وأفغانستان، والبارجة الأمريكية كول انطلق منفذوها من اليمن، وأحداث الخُبر وحي الضباط بالرياض انطلق منفذوها من السعودية .. وحتى استهداف نيويورك نفسها وتدمير برج التجارة العالمي كان انطلاقاً من باكستان وأفغانستان، وسيناء اليوم تمثل بيئةً خصبة لتنامي العناصر الجهادية المهدّدة لمصالحها وأمن ربيبتها (إسرائيل) !! ومن هنا كانت توجّهاتها في كل دول المنطقة لعمل الانتخابات النزيهة والديمقراطية .. ليس حباً في صعود "الإسلاميين" أو "الإخوان" بل طمعاً في إمكانية احتوائهم سياسياً والاستفادة من وجودهم على حساب تنامي "التيارات المتشدّة" التي تخشاها كثيراً ،، فمن انتخابات مصر 2005 وفوز الإخوان فيها بخُمس مقاعد البرلمان .. إلى الانتخابات الفلسطينية 2006 وفوز حماس بها إلى انتخابات تونس ومصر 2011 و 2012 والتي كانت جميعها بضغط أمريكي لتنفيذ السياسة الأمريكية الهادفة لاحتواء "الإسلام السياسي" ،، وحتى الموقف الأمريكي الحاسم برفض الانقلاب في مصر، فكل هذه المواقف لم تكن اصطفافاً مع الإخوان وإنما طمعاً في احتواء الإسلام السياسي على حساب التيارات المتشددة، واحتواء توجهات وتطلعات الشعوب للإسلام كحاكم ودستور حياة.

 إن هذه الساسة الأمريكية لا تقدح في "الإسلاميين" أنفسهم لأن لهم مشروعهم المناهض لأمريكا أصلاً والمعروف للقاصي والداني، وقد أثبتت التجارب أن هذه التيارات الإسلامية المعتدلة رغم "اعتدالها" أثبتت انحيازاً راسخاً لمصالح شعوبها وخيارات أمتها، وثباتاً واضحاً على مبادئها وقيمها التي اختارتها الجماهير على أساسها ، لكن أمريكا تأمل التعاون معهم وليس الصدام الذي تتوقعه أنه لن يكون لصالحها،  بمعنى أن أمريكا اختارت أقل الخيارين ضرراً على مصالحها وليس بالضرورة أن يكون الخيار الذي اختارتُه هو خيارٌ لصالحها.

وبذلك يمكن أن نفسّر مواقف أمريكا المثيرة للجدل وهي العدو الأكبر للإسلام والإسلاميين وقضايا المسلمين على مرّ تاريخها.

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟