أخبار » تقارير

نوال .. قصة نجاح بطعم الفأس وحياكة المشغل

26 آب / يناير 2014 04:06

مشاريع نسائية صغيرة بغزة
مشاريع نسائية صغيرة بغزة

غزة – الرأي - هاجر حرب

منذ نعومة أظافرها، قررت المواطنة نوال عبد الله التي تخطت اليوم عقدها الرابع، أن تغزل قصة حياتها، بطريقة مغايرة لما هو معروف عن المرأة في المجتمعات غير الفلسطينية، فهي وغيرها من النساء، بتّن يحملن في وجدانهن مقومات الصمود والتحدي.

فقبل 27 عاماً، تركت نوال التي تقطن في مخيم جباليا شمال قطاع غزة مقاعد الدراسة، لتلتحق في صفوف العاملين في مجال الزراعة، وتكون في ذلك الوقت الذراع الأيمن لأبيها الذي كان يعيل 11 فرداً.

فتاة بثياب ذكورية

ورغم كونها تحمل كل الملامح الأنثوية، إلا أن رغبتها في التغلب على مشاعرها، ومساندة والدها لمواجهة شظف العيش، جعلها تتنكر بزي ذكوري، تستطيع من خلاله مواصلة عملها في أحدى الأراضي الزراعية بكل ثبات، دون أن يدرك من حولها أن من تعمل معهم فتاة!!

وحتى ذلك الحين، تمكنت نوال من تربية وتعليم أشقائها، بعد أن داهم المرض جسد والدها، وأنهك الشلل التام قوى والدتها، لتتحمل هي بذلك أعباء الحياة كافة.

غير أن وفاة والدها كانت نقطة فاصلة في حياتها، مضطرة بذلك لمغادرة أراضي المزارعين التي كانت تعمل فيها بأجر زهيد، لكنها لم تبتعد كثيراً عن مجال الفلاحة، فأصبحت تشتري الخضار من أصحاب الأراضي، لتبيعها فيما بعد في الأسواق.

"الرأي" زارت نوال، التي تشغل اليوم منصب مدير أحد مشاغل الحياكة والتطريز في قطاع غزة، لتروي قصة نجاح، غلفتها المعاناة، فتندى الأوضاع الاقتصادية لعائلتها، وقلة ذات اليد، ووفاة والدها، كل ذلك جعل منها وقوداً لمواجهة الصعاب.

طفولة ضائعة

تقول والابتسامة تعانق تقاسيم وجهها: "لن تصدقي، أنني شمرت عن ساعدي ومسكت الفأس منذ أن بلغت 14 من عمري، كنت استيقظ في ساعات الصباح الباكر، لأرافق والدي في أحدى الأراضي الزراعية، وحتى بلغت 17 من عمري لم يتمكن أحد من التعرف على هويتي الأنثوية".

وأكملت: "لكن ظروف الحياة تغيرت، وبعد وفاتي والدي، اضطررت لبيع الخضار في الأسواق، لكن للأسف فتردى الأوضاع الاقتصادية لسكان قطاع غزة، صدمني وأوقفني تماماً عن العمل".

فباتت نوال لا تجد ما تقِ به نفسها، بعد أن تزوج أشقائها، وتركوها حبيسة معاناتها، مؤكدةً أن حالة من الخوف والوحدة، والشعور بالقهر، داهمها بعد أن فاتها قطر الزواج، وباتت بالكاد تجد ونيساً لها في هذه الحياة، وفق تعبيرها.

وتابعت وهى تجول بعينيها، وكأنها تعود بذكرياتها إلى عقدين ونيف: "لم أندم يوماً على أن عمري ضاع في سبيل إسعاد الآخرين من حولي، لكن تساؤلات كثيرة، لم تفارق مخيلتي، أهمها كيف سأقضي ما تبقى لي من العمر، فكرت في تأدية فريضة الحج، لكن ضيق ذات اليد منعني في حينه".

لكن الحظ منح نوال هذه المرة، فرصة جديدة للتخلص من القيود التي تكبل بها البطالة الأشخاص، فعلى الرغم من أنها تعيش في بيئية ريفية لم تغادرها يوماً.

فهي بحسبها لم تزر طوال حياتها أي من المناطق الأخرى في قطاع غزة، ولا تعرف من هذا القطاع الصغير سوى مخيم جباليا، إلا أنها نشطت في المشاركة بالمحاضرات التوعوية التي تقيمها بعض المؤسسات الفاعلة في مجال المرأة.

وتقول: "حقيقة كانت هذه البداية، ترددت كثيراً، وبحثت عن إجابات عميقة للأسئلة التي دارت في خلدي، لكنى تمكنت أخيراً من اتخاذ قرار جريء، بالخروج من العزلة التي أعيش فيها، بالمشاركة في أحد المشاريع الصغيرة، بدعم من جمعية المرأة العاملة.

احتضان للإبداع

واليوم تجسد نوال قصة إبداع لا مثيل لها سوى في غزة، فهي قادرة على الأخذ بيد10 نساء أخريات، يشاركنها العمل في مشغل الخياطة، القائم في منطقة سكنها، يدر عليها دخل يصل إلى نحو 1000 شيكل شهرياً.

وبحسب العاملات معها، فإنها استطاعت أن تحتضن إبداعاتهن، وتبث لديهن مشاعر التحدي، لتخطي حواجز الخوف والفقر، والحرمان، فمنهن من فقدت زوجها ومعيلها، وآخريات لم يحالفهن الحظ في مواصلة تعليمهن.

أما نوال، فتؤكد أن من بين النساء العشرة، من يقطن منهم وراء حاجز بيت حانون( إيرز)، لكنهن يملكن الإصرار العميق، للتمرد على واقع مرير فرضته ظروف الاحتلال والحرب في غزة، فالأمل يلاصقهن حتى النخاع.

فمنتجاتهن، وجدت سبيلاً للتحليق خارج، أسوار الحصار، حيث شاركن في عددٍ من المعارض العالمية، التي أقيمت في إيطاليا، كما أنهن يملكن أفكاراً إبداعية، لتسويق منتجاتهم محلياً، عبر طرح العطاءات، والتعاقد مع المؤسسات، والفنادق والمستشفيات.

غير أن الطريف في المسألة، أن نوال التي كانت تخاف من مغادرة محيط بيئتها، باتت اليوم تمثل النساء العشرة في كل الأنشطة والفعاليات ذات الصلة بواقع المرأة، بل تعدى الأمر ذلك لتسافر إلى الجزائر في رحلة ترفيهية مهنية كما تصفها.

أرقام وإحصاءات

يذكر أن النساء يعانين من أعلى معدل بطالة، خاصة بين الشابات في الفئة العمرية 20-29 عام، وأن نصف النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20-24 عاماً والمؤهلة للعمل تعاني من البطالة.

وتشير التقارير إلى تقليص فرص العمل وارتفاع نسبة البطالة في الأراضي الفلسطينية، فقد أوضح مسح القوى العاملة للربع الثالث 2013 إن عدد العاطلين عن العمل بلغ حسب تعريف منظمة العمل الدولية، حوالي 275 ألف شخص في فلسطين خلال الفترة المذكورة، منهم حوالي 145 ألف في الضفة الغربية وحوالي 130 ألف في قطاع غزة.

حيث ارتفعت معدلات البطالة إلى ما يزيد عن 59%، وهو ما عكس نفسه على المؤشرات ذات العلاقة بنسب النساء المعيلات لأسرهن حيث وصلت النسبة إلى 7.0% في قطاع غزة.

وتبقي مثل هذه المشاريع الصغيرة، على قلة العائد المادي الذي يجنيه أصحابها، إلا أنها سبيلاً لكثيرين، لتحسين مستوى الدخل لديهم، بل وتخطي حاجز الفقر، الذي فاقمه الحصار الصهيوني الظالم المفروض على قطاع غزة الذي دخل عامه الثامن. 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟