غزة – الرأي – محمود أبو راضي
لم تنتهِ معاناة الأسرى الأبطال خلف جدران الأسر وقهر السجّان عند حد التغييب عن مرأى أهاليهم الذين يكابدون الألم شوقًا لرؤيتهم، فعقلية ذاك الصهيوني المحتمي بسلاحه ووسائل قمعه، يأبى إلا أن ينال من عزيمة أولئك الشجعان بالتنغيص على حياتهم المأسورة تارةً، وإذلالهم بشتى الطرق تارةً أخرى.
فيومًا بعد يوم، لا يكلّ السجّان الصهيوني من ابتكار وسائل من شأنها أن تضعف إرادة الأسير، وتشلّ أركان جسده المتلهف شوقًا وحنينًا لمن همّ خارج أسوار الغرفة الضيقة الحالكة بالسواد، لكن تبقى إرادته الحديدية أقوى من غطرسته المنافية لحقوق الآدميين.
الإهمال الطبي المتعمد، الغرامات العالية التي تفرضها إدارة السجون، الاقتحامات وعمليات التفتيش شبه اليومية لغرفهم، عدم السماح لهم بإدخال حاجياتهم الأساسية، المنع من الزيارة، زنازين العزل، النقل بـ "البوسطة"، رفع سعر الكنتينة، صور متعددة للانتهاكات والاعتداءات التي ترتكبها سلطات الاحتلال بحق الأسرى التي سردها مدير مركز أسرى فلسطين للدراسات أسامة الشاهين المفرج عنه مؤخرًا.
مشاهد حية
شاهين ينقل لوكالة "الرأي" مشاهده التي حفرها بذاكرته من داخل سجون الاعتقال الإداري، التي تبرز الصورة الحقيقية لمعاناة الأسرى، وحقوقهم المهدورة التي تتيحها لهم المنظمات الحقوقية والاتفاقات الدولية ذات الصلة، وكيفية تعامل السجّان الصهيوني البشع مع شخوصهم.
ويقول إن إدارة سجون الاحتلال تفرض على الأسرى غرامات مالية عالية تصل في بعض الأحيان إلى ألف شيكل على مخالفات بسيطة للغاية، مستدلًا بحديثه: "أذكر أن سلطات الاحتلال عاقبت أحد الأسرى داخل السجون بدفع غرامة مالية قدرها 700 شيكل لإلقائه خطبة الجمعة".
ومن أقسى العقوبات التي تفرضها إدارة السجون على الأسرى بحسب شاهين، وضعهم في زنازين العزل الانفرادي، التي يتذوق فيها الأسرى شتى صنوف القهر والحرمان داخل غرف عزلهم الظالمة.
كما يحرم الاحتلال أهالي الأسرى من زيارة أبنائهم داخل المعتقلات، ويختلق الذرائع لرفض طلباتهم التي يقدمونها لرؤية فلذات أكبادهم، وهنا يشير شاهين إلى أن إدارة السجون منعت الأسير النائب محمد جمال النتشة الذي اعتقل لدى الاحتلال بما مجموعه 19 عامًا من السماح لزوجته بزيارته، وهو لا يزال قيد الاعتقال الإداري.
ومن أشكال العقاب المفروضة على الأسرى، استخدام سياسية "البوسطة" في نقلهم من سجون الشمال إلى الجنوب أو بالعكس، وإبقائهم مقيدي اليدين والقدمين لمدة لا تقل عن ثلاثة أيام.
"البوسطة" هي عبارة عن عربة تستخدم لنقل للأسرى إلى المحاكم أو للعلاج يتم فيها إجلاس الأسير على مقاعد حديدية وفي ظروف صعبة للغاية- خاصة أن بعض النقليات تستمر لساعات طويلة كنقل الأسرى من سجن "هشارون" لـ"عوفر" التي تستمر 20 ساعة متتالية، ذهابًا وإيابًا.
شاهين التقى خلال فترة اعتقاله الأسير المريض يسري المصري من قطاع غزة، الذي شاهده بحالة يرثى لها، نتيجةَ الإهمال الطبي المتعمد المرتكب بحقه، لا سيّما أنه يعاني من انتشار مرض السرطان بكافة أنحاء جسده المنهك أصلًا.
تقصير محلي وخارجي
ويقرّ مدير مركز فلسطين للدراسات بتقصير المؤسسات الحقوقية على المستوى المحلي والخارجي في التفاعل مع قضية الأسرى، والقيام بالدور المنوط بهم للتخفيف من معاناتهم المتفاقمة.
ولم يعفِ الفصائل الوطنية والفعاليات الشعبية من مسئولية عدم التحرك لنصرة الأسرى، مطالبًا إياهم بتحشيد جهودهم، وإبراز قضيتهم للعالم للحر للضغط على سلطات الاحتلال لوقف جرائمها بحقهم.
مدير الوحدة القانونية في نادي الأسير المحامي جواد بولس من جهته، يروي لـ "الرأي" شهاداته الموثقة لانتهاكات سلطات الاحتلال ضد الأسرى في سجونه المختلفة.
وبدأ بملف الأسرى المعتقلين إداريًا، فيقول: "تمكنت من زيارة الأسيرين المضربين عن الطعام منذ 41 يومًا معمر بنات وأكرم الفسيسي في مستشفى كابلان، فوجدتهما مقيدين بالأسرّة، وقد بدا على صحتهم الوهن الشديد، واصفرار الوجه وضعف الحركة والنفس، سيّما وأنهما قاطعا تناول المدعمات والفيتامينات والفحوصات الطبية".
وتسعى إدارة السجون إلى إجبار الأسرى على تناول المدعمات قسريًا عبر إرسال ما تسمى "لجنة الأخلاق" تهديداتها للأسرى بالإقدام على ذلك، في حال استمروا في عدم تناول المدعمات.
إعاقات جسدية
وبالانتقال إلى ملف الإهمال الطبي، يوضح بولس أن 26 أسيرًا فلسطينيًا أصيبوا بإعاقات جسدية نتيجة ممارسة وسائل التعذيب القاسية والمحرمة، ومنهم على سيبل المثال الأسير لؤي ساطي الأشقر (35 عامًا) من طولكرم، والأسير نادر عبد القادر مسالمة من الخليل؛ الذي أصيب بشلل نصفى نتيجة التعذيب الوحشي الذي تعرض له خلال فترة التحقيق.
ويقبع في سجون الاحتلال العشرات من الأسرى المرضى الذين يعانون أوضاعًا صحية صعبة، فيما تتمادى سلطات الاحتلال في ممارسة بطشها وإجرامها ضدهم حيث تمنع عنهم الدواء.
وتجدر الإشارة إلى أن أربعة أسرى مرضى استشهدوا العام الماضي نتيجة الإهمال الطبي، وهم: ميسرة أبو حمدية، وعرفات جرادات، وحسن الترابي، وأشرف أبو ذريع.
وضمّ بولس صوته إلى جانب شاهين بضرورة تحرك المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، للتدخل والضغط على الاحتلال لإطلاق سراح عشرات الأسرى الذين يعاون من إعاقات مختلفة، حتى يستكملوا عملية تأهيلهم و وعلاجهم في الخارج.
الأسيرات
للأسيرات الفلسطينيات، نصيبٌ وافر من انتهاكات الاحتلال بحقهن، إذّ تشتكي الأسيرات الـ 19 القابعات في سجن "هشارون"، من استمرار إدارة السجن بممارسة سياسة الإهمال الطبي بحقهن، الأمر الذي أدى إلى تفاقم عدد من الحالات المرضية بداخله، وفق بولس.
وفيما يلي أسماء الأسيرات الـ 19: الأسيرة لينا الجربوني، وأنعام عبد الجبار، وعطية الحسنات من مخيم الدهيشة بيت لحم، ومنى قعدان ونوال السعدي، وريم حمارشة من جنين، وآلاء أبو زيتون من نابس عصيرة الشمالية، وانتصار صياد من الطور القدس، ونهيل أبو عيشة من الخليل.
وستبقى قضية الأسرى على سلم أولويات الشعب الفلسطيني، لكسر القيد عن أيديهم، ليرَوا نور الشمس قريبًا بعدما غُيّبوا عنها قسرًا بفعل سياسة الاحتلال المتغطرسة التي لا تتقن سوى سرقة الابتسامة وقتل الحمام، ليتنعموا بتراب وطنهم الغالي، وما ذلك على الله بعزيز.

