غزة - الرأي - مها ساق الله وابتسام مهدي:
" كانت أياماً جميلة، ولم يكن يهمني المال بالقدر الذي أبحث عنه اليوم لأسُد رمق عائلتي، وأُطفِئ جوع أطفالي"، هذا ما قاله أحد عمال إسرائيل سابقاً أبو محمد لوز، والذي عمل في مجال البناء والقصارة لسنوات طويلة.
وقد عمل أبو لوز في إسرائيل منذ عام 1979 حتى عام 2002، وكان يتقاضى راتباً يفوق رواتب عشرة موظفين، وفق قوله، متابعاً:" صحيح أننا تابعنا العمل في القطاع بنفس المهنة ولكن بتذبذب، إلى أن بدأ الحصار ومنعت إسرائيل دخول مواد البناء، وأغلقت المعابر، ما أدى لتوقف كافة مشاريع البناء والترميم، فاضطررنا للتوقف عن العمل، وهنا بدأت المعاناة، وتقطعت مصادر أرزاقنا، وأصبحنا كالمتسولين".
وأصبح عمال "إسرائيل" بعد توقفهم عن العمل يعيشون على المساعدات التي تقدم لهم والكوبونات، وخلال سنوات الحصار لم يجد عمال إسرائيل أي عملِ يدخلون خلاله مالاً كي يلبوا أقل احتياجات أبنائهم، وذلك قمة الضعف، حسب أبو لوز.
فيما ينتظر المواطن الفلسطيني محمد حمدان (48 عاماً) من قطاع غزة، بترقب، القرار الذي سيمنحه تصريحاً بالعمل في مجال البناء داخل إسرائيل، بعد توقف دام أكثر من 14 عاماً متواصلاً، بناءً على قرار أصدرته السلطات الإسرائيلية عام 2000، يقضي بمنع عمل الغزيين داخل الأراضي المحتلة.
وتوقف حمدان عن عمله في الجانب الإسرائيلي منذ عام 2000، بناءً على قرار أصدره الاحتلال الإسرائيلي لدواعي أمنية، وحتى هذه اللحظة لم يجد حمدان أي عمل، عدا بعض الأعمال الجزئية هنا وهناك والتي بالكاد يوفر بها قوت يوم عائلته.
وكان حمدان يتقاضى ما يقارب 200 دولار شهرياً مقابل مهنته عامل بناء داخل الأراضي المحتلة، وعقّب على خبر إعادة إعطاء تصريح للفلسطينيين في غزة للعمل بإسرائيل قائلا:" من شأن عملنا في إسرائيل أن يعيد لعمال غزة الحياة الطبيعية التي كانوا يعيشونها قبل اندلاع الانتفاضة الثانية".
ويذكر أن طبقة العمال في قطاع غزة تشكل الشريحة الغالبة والأكثر تأثراً، وذلك جراء الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لحقوقهم، والتي زادت من معاناتهم مما أدى إلى تدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
ويعيش العمال أوضاعاً معيشية صعبة تتمثل بتدني الأجور، ساعات العمل الطويلة، غياب القوانين المساندة لهم، واستغلال أصحاب العمل لهم ولمطالبهم في ظل حصار خانق وأوضاع اقتصادية سيئة فاقمت من مستوى معيشتهم، حيث يعد العمال الشريحة الأكثر تضرراً جراء الحصار المفروض على غزة.
موافقة رسمية
وقبل أيام، بدأت تتواتر أنباء حول نية إسرائيل إصدار تصاريح عمل داخل الأراضي المحتلة لعدد من عمال القطاع، الأمر الذي أعاد الأمل لهؤلاء العمال، فتعلقوا بـ"قشة" لعلها تنقذهم من الغرق في ظلام البطالة.
وفي تصريحات لرئيس هيئة المعابر نظمي مهنا، كشف النقاب عن موافقة " اسرائيل" رسميًا على دخول نحو خمسة آلاف عامل من قطاع غزة للعمل داخل الأراضي المحتلة، منوهاً إلى أنه سيتم في غضون الأسبوعين المقبلين كحد أدنى إصدار تصاريح عمل للعدد المذكور من العمال الذين يعمل غالبيتهم العظمى في قطاع الزراعة على وجه الخصوص.
وأكد أن الاحتلال الإسرائيلي أعطى الموافقة على دخول 5 آلاف عامل من غزة، وسيتم الإعلان عن ذلك قريبًا من خلال وزارة الشؤون المدنية، وبإمكان العدد المذكور من العمال الالتحاق قريبًا بالعمل، وذلك بعد أن يوافق الاحتلال على الاسماء المقدمة له، حيث ستقدم وزارة الشؤون المدنية الأسماء، وسيتم إجراء فحص أمني لها قبل الموافقة عليها.
وبين مهنا أن هذه الأسماء ستشمل عمالاً سابقين في الاراضي المحتلة، وعُمالاً جُدُد، مشيرًا إلى أن وزارة الشئون المدنية سترسل عددًا كبيرًا من الأسماء حتى تحصل على القبول والموافقة (الاسرائيلية) على خمسة آلاف اسم.
وبحسب القانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة فإن إسرائيل تظل المسئولة كقوة محتلة عن العلاقة المعيشية المتداخلة، ويحظر عليها جميع التدابير التي من شأنها أن تؤدي إلى بطالة العاملين في البلد المحتل.
من جانبه، بيّن رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين سامي العمصيأن نقاباته تدعم أي جهود تسعى للتخفيف من واقع العمال في قطاع غزة؛ خاصة بعد وصول أعداد العمال العاطلين عن العمل إلى ما يزيد عن 200 ألف عامل.
وقال: إن" واقع العمال يحتاج إلى خطط استراتيجية لتخفيف نسبة البطالة، وتشغيل العمال العاطلين عن العمل"، لافتاً إلى ضرورة دعم المنتج الوطني، وتأهيله لاستيعاب أعداد كبيرة من العمال.
وأشار إلى أن العمال الفلسطينيين يتمتعون بكفاءة عالية، وقدرة على المساهمة في إعادة إعمار ما دمره الاحتلال خلال عدوانه الأخير على القطاع وفق ما خطط له، داعياً إلى وضع شريحة عمال القطاع على سلم الأولويات.
وفي بيان صدر مؤخراً عن اللجنة الشعبية لرفع الحصار عن قطاع غزة قالت فيه: إن" الحصار المفروض على القطاع، والعدوان الإسرائيلي الأخير خلف وضعاً كارثياً طال كافة مناحي الحياة، ورفع من نسبة الفقر إلى 90%، فيما بلغ معدل دخل الفرد اليومي أقل من دولارين يومياً".
احصائيات
ولعودة عمال إسرائيل غايات اقتصادية إسرائيلية، حيث أوضح الوكيل المساعد بوزارة الاقتصاد الوطني أيمن عابد أن إعادة إدخال العمالة داخل الاحتلال الإسرائيلي، والاعتماد على العمالة في غزة له دور كبير في التنمية الاقتصادية وتحريك عجلتها.
ففي التسعينيات كان هناك ما يزيد عن 70.000 عامل كانوا يعملون داخل الخط الأخضر، أثروا على عملية التنمية الاقتصادية بغزة بشكل كبير.
وبلغ عدد سكان قطاع غزة قبل انتفاضة الأقصى حوالي 700.000 نسمة، أما عام 2015 من المتوقع أن يصل عدد السكان إلى 2 مليون نسمة.
ومع زيادة الحصار المفروض على غزة، ووقوع انتفاضة الأقصى، وشن ثلاثة حروب، كل ذلك أدى لتدمير البنى التحتية وخاصة الصناعية.
وفي عام 2000 تجاوزت صادرت غزة 270 مليون دولار، أما الآن وبعد نحو 14 عاماً لم تتجاوز 700.000 دولار، وذلك يعني توقف الاقتصاد الغزي بالكامل، وعجز في الميزان التجاري 2 مليار و900 مليون دولار، وفق عابد.
واستكمل:" الأوضاع التي أحاطت بغزة جعلت المواطن الغزي استهلاكي غير منتج، فالبطالة في غزة بعد عدوان 2014 تجاوزت 62%، فيما بلغت نسبتها عام 2013 نحو 52%"، معقباً :" النصف الأول من عام 2013 كانت فيه نسبة البطالة أقل من الوقت الحالي، وذلك للحراك الاقتصادي الذي حدث بفعل الأنفاق، ولكن بعد تدميرها أُصيب القطاع بنكسة اقتصادية، وبعد عدوان 2014 دمر الاحتلال عدداً من المنشآت الصناعية، التجارية، والخدماتية، والتي تجاوزت 5000 منشأة، ما زاد من حدة البطالة".
واعتبر عابد العمالة داخل الخط الأخضر ترساً صغيراً من شأنه أن يُحرِك العجلة الاقتصادية داخل غزة، راغباً بأن تصل نسبة العمالة إلى ما يزيد عن 120.000 عامل من غزة
ونوه إلى أن عودة عمال غزة للعمل في إسرائيل مجرد تصريحات إعلامية لم تدخل حيز التنفيذ حتى اللحظة.
وعن المنفعة الاقتصادية التي تعود على إسرائيل بعد عودة عمال غزة للعمل فيها، تتمثل في أن العامل الغزي يذهب للعمل ويعود لبيته بعد انتهاء العمل، بالتالي تكون تكلفته أقل بكثير من العمالة الأجنبية التي على إسرائيل أن تحمل كافة إجراءاتها وحقوقها القانونية.
أما العامل الغزي فقد أثبتت التجارب أنه عامل منتج على العكس من الأجنبي، فالغزي يوفر إخراج الأموال التي تقوم بها العمالة الأجنبية لدولها.
تخفيف الاحتقان
وللوقوف على عودة عمال إسرائيل بنظرة اقتصادية، قال المحلل السياسي هاني البسبوس: إن" عودة عمال غزة للعمل في إسرائيل جاء من أجل تخفيف الاحتقان عن القطاع، إثر الأزمة الاقتصادية الواقعة بفعل الحصار الإسرائيلي المفروض عليها منذ سنوات، والذي قد يؤدي في أي لحظة إلى انفجار جماهيري".
وواصل البسوس: إن " الاحتلال الإسرائيلي اتبع في الآونة الأخيرة سياسة الاحتواء بدلاً من الصدام، وذلك ليس عن طريق رفع الحصار بشكل مطلق، وإنما عبر تقديم المساعدات، بدليل أن هناك عملية تقنين للمواد التي تدخل غزة لا زالت مستمرة، وكذلك العمل على المعابر".
ومن الممكن أن تكون عودة العمال لإسرائيل بوابة للتخابر، وأن تزيد العمالة، ولكن الغاية الأساسية للاحتلال هي محاولة احتواء غزة، وتأليب المواطنين على الفصائل الفلسطينية، على حد قوله.
كما ولعودتهم غاية اقتصادية، خاصة وأن الأيدي العاملة الفلسطينية أرخص من الأجنبية، فالعامل الفلسطيني يوافق على العمل في إسرائيل مقابل مبالغ زهيدة، عدا عن جودة العمل الفلسطيني.
وفي ظل التخوفات من أن تكون عودة العمال لإسرائيل بوابة للتخابر، شدد الأخصائي والخبير في الأمن القومي إبراهيم حبيبعلى أن عودة عمال غزة للعمل في إسرائيل ليس موضوعاً إنسانياً يقدمه الاحتلال الإسرائيلي للجانب الفلسطيني.
من المؤكد أن هناك تبعات أمنية على الجهات الإسرائيلية والتي أدركت أنها ارتكبت خطأً في استمرار الحصار على غزة، والحال الذي وصل إليه أبناء القطاع من فقر مدقع، ما دفع قادة الشاباك إلى الانفتاح على سكان غزة لفض الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية ومحاولة سلخها.
وأضاف حبيب: أن" الأجهزة الأمنية الاستخباراتية الإسرائيلية واجهت معضلة كبيرة وهي أن جزءاً كبيراً من بنك المعلومات لديها عبر العملاء قد قامت المقاومة الفلسطينية بضربه، فأصبحت إسرائيل بحاجة إلى عدد جديد من المتخابرين، وهنا تكمن المخاوف من عودة العمال للعمل في إسرائيل من التعرض لابتزاز واسع النطاق وإيقاعهم في وحل العمالة".
وأدرك أن عودة العمال لإسرائيل تشكل مصدر رزق مهم لتحسين الوضع الاقتصادي في غزة، ولكن على العمال الانتباه والحذر، وعلى الأجهزة الأمنية تسليط الضوء عليهم حتى لا يكونوا فريسة لاستغلال العدو لهم.
وركز على ضرورة متابعة الأجهزة الأمنية الفلسطينية للعمال حال عودتهم للعمل في إسرائيل، داعياً إياهم إلى أن تكون على قدر المسئولية، وأن يكون لها رؤية لحماية العمال من الوقوع في التخابر.

