في شهر أيارٍ من كل عام، وتحديدًا في الخامس عشر منه، تبدأ قصصُ التهجير بالعودة إلى أذهاننا من جديد، تعود لتخطُر على بالِ مَن عايش النكبة، هِي ذكرى تحمِلُ تفاصيل دقيقة لشعبٍ كان يملكُ كُل شيء وفي لمحة البصر ودون أن يستوعِب ما يحصل له، ضاعَ كُلَ شيء أرضه، أبنائه، بيته، مفتاح غرفته، وصارَ يبعُدُ عن هواءِ فلسطين آلاف الأميال وأكثر، لكن في رئتيه وفي قلبه لا تزالُ فلسطين تسكُنّ أينما سَكَن.
ذاكرة لم تغيب
لم يغب عن ذاكرة السبعيني إبراهيم علي الديراوي، تذكر يوم أن هجَر من بلدته الأصلية " بئر السبع "بالرغم من أن الزمن شّيب رأسه وأحنى ظهره، ورغم تعاقب السنين إلا أنه لم ينسَ شيئاً منها، فهي بالنسبة إليه تمثل التاريخ المؤلم والجرح النازف الذي لم ولن يندمل مهما طال الزمن.
يقول الديراوي:" كان عندنا كل شيء نأكل منه، القمح والشعير والبطيخ، وكانت حياتنا قبل الهجرة أجمل وأحلى حياة، ولم يكن للمشاكل وجود فيما بيننا، وكانت تربطنا كشعب فلسطيني إخوة حقيقية، كنا بالقرب من قرية رهط، ولم نكن نسمع باليهود إلا في أقصى شمال فلسطين فقط، ولكن بدون سابق إنذار، وجدناهم على أبواب بيوتنا يحاصرون منطقة النقب وقضاء السبع".
قتل وذبح وتشريد
وتطرق إلى ما هو مؤلم في ذكرى النكبة، حيث المجازر والفظائع وأعمال النهب التي ارتكبها العدو "الإسرائيلي" ضد الفلسطينيين، إلى جانب هدم القرى والمدن.
وقال:"حرقوا البيوت وقتلوا الأطفال أمام أعيننا، ولم يكن أحدنا يستطيع التدخل بسبب إطلاق النيران الكثيف ومن ثم منعوا التجوال، وطلبوا منا الرحيل فورا الى أكثر من مكان، وخيَرونا إما الذهاب إلى قطاع غزة أو الرحيل إلى الأردن أو مصر".
وتابع:" منحونا مهلة محددة للخروج من بيوتنا لا تتجاوز عدة أيام، منَا من ذهب للظاهرية أو غزة أو لبنان أو إلى سوريا وهكذا تفرقنا، وتركنا كل ما نملك في أرضنا، ومن ثم بعدها خرجت العصابات اليهودية بدوريات تمشيط وتفتيشودية .
وأضاف أن العصابات اليهودية لاحقت العائلات الفلسطينية وقتلوا كل من وجدوه أمامهم واحتلوا المنازل والأراضي، ولم يكن يسلم من القتل والموت أي شيء كانوا يجدونه في طريقهم سواء كان إنسان أو حيوان، فقد كانوا يقتلونه رمياً بالرصاص ".
وأكد الديراوي:" كنت أشاهد الأطفال الصغار والنساء الحوامل المهجرين يموتون أمامي ببطء من شدة الجوع والعطش".
وعبر الديراوي عن أمله بالعودة الى بلدته قبل أن يلقى ربه، وعما إذا كان تحقيق هذا الحلم قريبا قال: "ما دمنا مع الله وقريبين منه فنحن للعودة أقرب ".
أمنية العودة
بدوره عبر الحاج الفلسطيني أحمد جبر من قرية المغار المهجرة عن رأيه بأن الفلسطينيين في الماضي كان يسود الإخلاص والحب فيما بينهم أقرب من اليوم، قائلاً:" كانت أرضنا فيها كل ما تشتهى العين والنفس، وكان الحب والألفة والإخلاص يسود العلاقات بين الناس، وفجأة تعرضنا لإطلاق النيران الصهيونية من كل مكان، اضطررنا وقتها الى ترك بيوتنا بعد أن قامت عصابات القتل والإجرام بطردنا، وقالوا إننا ممنوعين من العودة أو الرجوع الى قريتنا ".
وأضاف الحاج جبر:" كنا مهددين بالموت في أي لحظة، بسبب القصف الشديد للطائرات والمدفعية الصهيونية التي لم ترحم طفلا أو امرأة او عجوزا ".
"كل لحظة وكل دقيقة وأنا أتمنى الرجوع لوطني وأرضي مهما طال الزمن لأنها أرضنا وحقنا، مهما كنا مرتاحين لا نشعر بالسعادة ونحن خارج وطننا "، هكذا عبر الحاج جبر عن أمله بالعودة الى قريته التي هجر منها.
لن ننسى
الحاجة أمينة أبو سلمية من جورة عسقلان، تتحدث عن مأساة النكبة وذكرياتها الأليمة قائلة:" كنا نملك 36 دونم عنب ومشمش، وكانت حقولنا مليئة بكل أنواع الخضار والفاكهة".
وأضافت أنهم اضطروا لترك بيتهم وكل ما يملكون بعد تعضرهم لاطلاق نار من قبل العصابات الصهيونية، واصفة ما حدث لهم بالقول:" دمرت بلدتنا وجعلتها تنقلب رأسا على عقب، ومن ثم قام اليهود بطردنا من بيوتنا بعنف وقسوة بعد أن ارتكبوا مجزرتي دير ياسين والجورة ".
وتضيف بلهجتها العربية الفلسطينية: "ما بننسى حقوقنا ولا بلدنا، واللي بنساها الله يجعله ما بدخل الجنة، بلدك ووطنك عرضك وما بنتخلى عنها، حق أبوك وجدك ما تفرط فيه واللي بفرط فيه هو كافر خاين ".
تضاعف عدد اللاجئين
وفي إحصائية جديدة للإحصاء الفلسطيني، أشارت البيانات الموثقة أن عدد الفلسطينيين زاد لنحو 9 أمثاله منذ عام 1948، مشيرا إلى أن عددهم في فلسطين التاريخية قد بلغ في نهاية عام 2014 حوالي 6.1 مليون نسمة.
وقال جهاز الإحصاء في بيان أصدره قبيل الذكرى 67 لنكبة 1948 :" إن الاحتلال قد سيطر خلال مرحلة النكبة على 774 قرية ومدينة، حيث قام بتدمير 531 قرية ومدينة فلسطينية، كما اقترفت القوات الإسرائيلية أكثر من 70 مذبحة ومجزرة بحق الفلسطينيين، أدت إلى استشهاد ما يزيد عن 15 ألف فلسطيني خلال فترة النكبة".
وأضاف البيان":إن نسبة اللاجئين الفلسطينيين في فلسطين تشكل 43.1 في المائة من مجمل السكان الفلسطينيين المقيمين في فلسطين نهاية العام 2014".
وبحسب البيان "يعيش حوالي 29.0% من اللاجئين الفلسطينيين في 58 مخيما تتوزع بواقع 10 مخيمات في الأردن و9 مخيمات في سوريا و12 مخيما في لبنان و19 مخيما في الضفة و8 مخيمات في قطاع غزة".
وأضاف: "عدد السكان الفلسطينيين الذين لم يغادروا وطنهم عام 1948 كان يقدر بحوالي 154 ألف فلسطيني، في حين يقدر عددهم في الذكرى السابعة والستين للنكبة حوالي 1.5 مليون نسمة نهاية عام 2014".
ويستذكر الفلسطينيون هذه الأيام ذكرى النكبة السابعة والستين، بعد أن قامت العصابات الصهيونية بتشريدهم واقتلاعهم من أرضهم وديارهم، حيث عايشوا خلالها ومازالوا أصناف من الويلات والنكبات، وعلى الرغم من ذلك مازالوا يصرون على تمسكهم بحقوقهم المسلوبة بالرغم من توالي النكبات عليه، إلى جانب الظلم الدولي والتحالف ضد شعبنا .

