في ذكراها التي مزقت الأجساد وفرقّت الأرواح، فلم تبقِ غير ذاكرة الكبار وانتماء الصغار الذي أدحض مراهنات جناه على أن الكبار يموتون والصغار ينسون، وها هم الكبار يُدونون ويزرعون الحب في الأفئدة، وها هو العشق ينقش مدارجه في عقول الصغار؛ ليُجيّش الحياة بكاملها إلى انتظارٍ لن يطول بالعودة إلى الديار .
هجّر الكبار قسراً من بيوتهم التي حَفلت بأكوامٍ من الذكريات التي لا تُنسى، ليعيش من بعدهم همّ العودة وحبّ الدفاع عن الوطن .
ضاقت الأرض
السيدة أسيل الهباش " 38 عاماً " والتي تقطن حالياً في المملكة العربية السعودية، إحدى من كُتب عليهم القدر أن يولدوا خارج فلسطين لأمٍ سورية وأبٍ فلسطيني، لتعيش الغربة كغيرها من الفلسطينيين؛ إلا أنها كانت تُأقلم نفسها وتعيش حياتها بشكل طبيعي ، تدرس في جامعتها بحمص وتعود إلى السعودية.
وبعد ما حدث مؤخراً في سوريا جيّش في قلب السيدة الهباش مشاعر الرغبة والحنين للعودة إلى فلسطين، وعلمت أن الدنيا ضاقت بوسعها على أرواح الفلسطينيين ولا مكان لهم سوى وطنهم الأصلي مهما طال بهم الشتات والابتعاد عن الوطن .
منعٌ من أبسط الحقوق
أما بسّام صبح، أبصرت عيناه على العيش في مخيمات اللجوء والشتات بلبنان لأبٍ استشهد في معركة تل الزعتر وهو يبلغ من العمر تسعة أشهر، كابد عناء الحياة منذ صغره، فلم يعش الحياة كأقرانه غير الفلسطينيين؛ إلا أن الواقع الأليم دفعه للتحمل من أجل أن يوّفر لقمة عيشه .
كبُر الشاب صبح بالغربة في ظل منعٍ شبه كامل من كافة الوظائف؛ ليلجأ إلى عمل الإنشاد والتوزيع الموسيقي، فيشق طريقه التي حُفت بفيضٍ من صعوبات وتحديات طالت وأثقلت كاهليه بمزيدٍ من الشعور القاسي للغربة .
قال :" لقد نشأت على أحاديث أمي عن جمال الوطن وروعته، فتنامى حبه في قلبي، وربيّت أطفالي على ذلك، فأصبحوا يُحيون ذكرى النكبة بأناشيدهم في المدارس وفي المهرجات؛ ويعيشون اليوم في واقعٍ يستشعرون بقرب العودة فيه جداً " .
لم أنساها قط
وفي البلد الشقيق الأردن تعيش الشابة حياة حمد "24 عاماً، ورغم أنها لم ترى وطنها وبلدتها القديمة؛ إلا أن انتماءها الشديد لوطنها يزداد يوماً بعد الآخر .
وتقول الشابة حمد:" عيناي لم تُبصران موطني الأصلي إلا أنها لا تغيب عن بالي وذاكرتي أبداً، ودائماً أحاول متابعة أخبارها والحصول على صورٍ لها بعد مُضي أكثر من 67 عاماً على خروج أهلي منها ".
وأوضحت أن لديها أملٌ كبير بأنها ستعود إليها قريباً جداً بإذن الله، وأنها ستربي أبناءها في المستقبل على ما تربت عليه من حبٍ للوطن، وستزرع فيهم الانتماء الشديد حتى العودة"، مبينةً أنه مهما طالت السنيين في الفلسطيني ببلاد الشتات لن يجد أحنّ عليه من أرضه وأهله ووطنه مهما توفرت الراحة له في الخارج .
تزدادُ لوعتي
نزح صلاح عبده في عام 1981م، ودرس في قسم الهندسة بجمهورية مصر العربية؛ ليعلم حينها أنه من ضمن قائمة المطلوبين للاحتلال " الإسرائيلي "؛ فخشي من العودة حتى لا يتم اعتقاله؛ ويبقى طوال هذه الفترة يعيش حالة من التنقل وعدم الاستقرار .
وقال:" استقر بي الوضع أخيراً في الإمارات، لأحرم منذ ذلك الوقت من العودة إلى وطني، فتزوجت وأنجبت أبنائي؛ ولكنهم لم يتمكنوا من رؤية بلادهم وأقاربهم، ويزداد اليوم حنيني ولوعتي إلى بلادي وجنتي التي لا يُمكن أن ينسينا إياها بعد المسافات ولا طول الأيام ".
وأوضح أن أبناءه يعيشون اليوم في بلاد الغربة؛ لكن لم يمنع ذلك من انشغالهم عن التعرف على موطنهم الذي هُجروا منه، وكثيراً ما يخبرهم عنه؛ كي يغرس فيهم حب العودة عمّا قريب .
ويبقى الحنين واللوعة سيدُ النازحين والمغتربين في الخارج؛ ليمنحهم جرعاتٌ من الألم والمعاناة التي لا تنتهي إلا بانتهاء الشتات وعودة اللاجئين إلى بلادهم الأصلية .

