ما أن تحين ساعة المغيب ويقترب موعد الإفطار، معلناً المؤذن نداء الله أكبر حتى تتجمع العوائل حول المائدة، لحظات تبدو طبيعية وجميلة لبعض المواطنين، لكنها في الوقت ذاته عصيبة وصعبة على أولئك الذين فقدوا أبنائهم شهداء خلال العدوان الأخير على قطاع غزة.
يجتمع الناجين من العدوان بالقرب من بعضهم مستذكرين أحبة لهم غيبت صواريخ الغدر الإسرائيلية أجسادهم قسرا عن موائد الطعام، ثلة منهم يتبادلون النظرات صامتين والحزن يملأ عيونهم بالتأمل إلى الحائط المقابل والذي يحمل صورا لأولئك الغائبين، وآخرين اختصروا الطريق على أنفسهم وأجلسوا صور الراحلين إلى جوارهم كي لا يشعروا بغيابهم!.
هكذا إذن رمضان غزة هذا العام غارق بالحزن والأسى على ذوي الشهداء وأقاربهم نتيجة فقدهم لأبنائهم وأحبابهم ممن كانوا معهم في رمضان الماضي، فالاحتلال لم يبق لهم شيئاً للفرح بعد أن أذاقهم مرارة الفقد في عدوان عُرف أنه الأعنف على الإطلاق.
لمّة العائلة
لعل حال الذين فقدوا جميع أفراد عائلتهم ومضوا في درب الشهادة هو الأصعب والأكثر تأثيراً في النفوس، فتعجز الكلمات عن وصف مشاعرهم ومعاناتهم بسبب حرمانهم لمّة العائلة ساعة الإفطار أو السحور، ليجلسوا وحيدين على المائدة ليس لهم إلا الدمع وشريط طويل من ذكريات آبائهم وإخوتهم.
ياسر الحاج ابن العائلة الشهيدة، والذي فقد جميع أفراد عائلته المكونة من 8 أفراد في غمضة، لم يتبق لديه سوى شقيقته المتزوجة، حدثنا بابتسامة تُخفي خلفها شوق الغياب وعينين تاهت حتى لا يرى أحدُ حزنها الدفين.
وقال لـ "الرأي" :" رغم مرور عام على استشهادهم إلا أن رمضان عمق لدّي شعور الفقد من جديد وكأنني فقدتهم البارحة، فصور عائلتي لا تغيب عن خاطري لحظة واحدة خاصة ساعة الإفطار والسحور الممزوجة بضحكاتهم وأصواتهم، حيث كانوا يملئون البيت قبل استشهادهم وهم لا يدّخرون جهداً في الطاعات خلال رمضان من صلوات وتهجدات لله".
بصبر المؤمن المبتلى يتابع قوله: "رمضان هذا العام نكأ جراحنا حيث جدد المعاناة فقد بدأت استشعر مرة أخرى فقدان لمّة العائلة حول مائدة الإفطار، فقد تركوني وحيداً، لا سيما حينما أشاركهم الطقوس الرمضانية وزيارة الأرحام و تكثيف العبادات في الشهر الكريم"، متمنياً أن يلحق بهم في ركب الشهداء ويجتمع معهم مرة ثانية في جنات النعيم.
حال ابن العائلة الشهيدة لا يختلف كثيراً عن حال بقية أسر الشهداء الذين يعانون بشدة من فقدانهم ذويهم ممن شهدوا معهم ذكريات لا تنسى مهما مرت السنوات ومهما مضى الوقت سيبقوا في قلوبهم ساكنين.
بدون طعم
أما فداء أبو شنب، التي لا زالت تعيش المأساة فهي لا تصدق أن مائدة الإفطار خالية من وجود شقيقها الشهيد سامي الذي كان يحبها ويشاطرها لحظات الحب والسعادة، متمنيةً أن تراه في أحلامها، لكي تحادثه، وتنفرد معه للحظات قبل الرحيل.
لم تنقطع دموعها عن البكاء عندما استرجعت اللحظات الجميلة التي عاشتها مع شقيقها في رمضان من الأعوام الماضية، لتبدأ الحديث بكلمات متقطعة : " بعد استشهاد أخي لم نعد نتذوق طعم لرمضان، فقد حطموا بدواخلنا ملامح السعادة والأمل.
ومهما وصفنا اللحظات الأليمة التي يمر بها الإنسان لحظة فقدان أعز الأحباب الى قلبه فلن نستطيع أن نرسم تلك الملامح الحزينة التي زرعها العدوان الأخير في قلوبهم .
مجرد عبادة
أما الحاج عوض نصر، فقد اختفت فرحة استقبال شهر الرحمة والعتق من النار على محياه، لتحتل مكانها مشاعر الفقد والحنين، فتراه يجلس قبيل موعد الإفطار يتأمل صورة ابنه الشهيد المعلقة على طول حائط المنزل علها تنطق يوماً وتعوض الشوق الكبير لابنه.
يتحدث لـ "الرأي" بمرارة الأب المكلوم على فقدان ابنه البكر الذي انتظر قدومه على الدنيا عشر سنوات ورعاه حتى أصبح شاباً يتكأ عليه عند كبره، ليأتي صاروخ غادر يدمر أحلامه.
و قال نصر: "نخفي دموعنا عند كل مائدة خالية من محمد لكن معالم الشوق تفضح عيوننا، كيف للفرح أن يدق أبواب بيوتنا، فلم يعد شهر رمضان أكثر من عبادة، فطقوس الفرح والابتهاج والطعام باتت مجرد ذكريات خاصة أن الكثير من العائلات الغزية فيها جريح أو شهيد أو أسير".
يتوقف نصر قليلاً عن حديثه محاولاً إخفاء دموعه التي تسيل شيئاً فشيئاً ثم يتابع " إننا نبكي اليوم دماً بدل الدموع فمن يعوضنا عن أبنائنا والأيام الجميلة التي عشناها مع تلك الأحلام التي انتظرنا تحقيقها..؟!، كل شيء ذهب في لحظات فلم يبق أمامنا سوى الصمود والإصرار على مواصلة الحياة بالرغم من ارتقاء الشهداء"، مختتماً حديثه بعبارة "الله يحرق قلوب اليهود مثل ما حرقوا قلبي على ابني".
مهما امتلك المرء من فصاحة اللغة والبلاغة فلن يستطيع أن يصف حال أسر الشهداء في رمضان فهم وحدهم من يعيش المعاناة ويعيشون الجرح المتجدد الذي لن يزول إلا بتحقيق آمال شعبنا بالحرية والاستقلال وحتى يتحقق ذلك لن يكون أمام أسر الشهداء في رمضان إلا الدعاء لأبنائهم بالرحمة والمغفرة.

