شيفرة النجاح حلها يصعب على بعض المبصرين لكن الطالبة الكفيفة هنية سهيل أبو شحمة "18عاما" جعلت رموز هذه الشيفرة تتطاير أدراج الرياح، فلم تقف إعاقتها أو ظروف أسرتها عائقان أمامها بل اتخذت منهم مصعداً للوصول لعتبة النجاح وحصدت على معدل 89,9 في الثانوية العامة قسم العلوم الإنسانية.
بحذر تتلمس الجدران وتمشى بخطوات واثقة كمثل تلك الخطوات التي عرجت بها سلم النجاح و سطرت أروع قصة قهر للإعاقة ووصلت لما أرادت , هذه هي حروف قصة هنية التي سطرت تفوقها في الثانوية العامة بحروف من ذهب.
إرادة هزمت العجز
عاشت هنية مع إعاقتها البصرية التي رافقتها منذ ولادتها وقبلت بها لكن لم تقبل بالعجز والانكسار فالتحقت بمدرسة خاصة بالمكفوفين وتلقت تعليمها فيها بطريقة "برايل" الخاصة بهم إلا أنها في الثانوية العامة انفصلت عن رفيقات الدرب قريناتها في الإعاقة لتلتحق بمدرسة عامة فلا يوجد للمكفوفين مدرسة خاصة في المرحلة الثانوية.
صعوبة التأقلم مع طبيعة البيئة المدرسية الجديدة ليست أولى العقبات التي اعترضت طريق هنية لكن استهزاء زميلاتها المبصرات منها كان عقبة أخرى, ناهيك عن كون الدروس التي تتلقاها تحتاج إلى إعادة تحرير بلغتها الخاصة التي تفهمها.
مجابهة كل الظروف
سهرت الليالي الطوال واجتهدت تحت ضوء الشمس الذي لم تراه, فكانت عندما تعود من مدرستها تقوم بتلخيص كل الدروس التي حصلت عليها فتقضي النهار في التلخيص و الليل بالدراسة, و إن شعرت أنها لم تفهم شيء أو أن هناك نقص بالمعلومات التي حصلت عليها فإنها تعود باكراً لمدرساتها لكي تعوض أي نقص .
لم يكن من السهل على هنية أن تُلم بكل مجريات الحصص الدراسية لكنها أوجدت الحل لذلك، فتقول: "كنت أذهب كثيراً لمعلماتي لكي أعوض أي معلومات لم أحصل عليها خصوصاً في اللغة الإنجليزية و هن لم يقصرن معي في شيء ولم يبخلوا عليا بأي معلومة كنت بحاجة لها ".
الحرب الأخيرة كانت إرهاصة سيئة للعام الدراسي الذي التحقت فيه هنية بالثانوية فأخذت تقول: "الحرب ما تركت بيت في غزة إلا وأثرت به وانا كذلك تأثرت دراستي و تأخر بدء الدوام الدراسي، إضافة للأثار النفسية التي تركتها الحرب مترسبة في نفوسنا ".
هنية المبصرة
الظروف الخفية حالت بين هنية و بين معدلٍ أكبر كانت تأمل أن تحققه، فتقول: "تغيير نظام تقديم الاختبارات الخاص بالمكفوفين من النظام التحريري إلى الشفهي حال بيني وبين الحصول على معدل اكبر حيث أنني طوال 11سنة كنت أقدم الاختبارات بشكل تحريري لكن هذه المرة فؤجت بأن التقديم شفهي مما حال بيني و بين أن أحقق درجات أكثر".
تنوي هنية الالتحاق بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية وهي مصرة على أن لا تترك المرتبة الأولى في الجامعة لأن ظروف التعامل مع إعاقتها ستكون مختلفة من حيث توفير الكتب و القرطاسية اللازمة لدراستها .
هنية هي ثالث مكفوفة في هذه الأسرى الفقيرة فلديها أخت و أخ كفيف ويعاني من إعاقة جسدية ويحتاج إلى علاج شهري دائما تصل تكلفته إلى 300 دولار أمريكي.
هذه إحدى قصص التحدي الفلسطينية التي سطرت في قلب أحد أكبر مخيمات اللاجئين في جنوب غزة, لنقول للعالم بأننا نخلق الإبداع من رحم المعاناة و أن عناد شعبنا يؤتي ثماره دائماً.

