لم يعد "الإسرائيليين" بمأمن من تداعيات انتفاضة القدس ونتائجها، بعد أن أصابهم لهيب اشتعالها وتعرضوا لبعض لفحاتها التي لسعت البعض، وحرقت أجساد آخرين، فمسهم الكثير مما أوجعهم وآلمهم، وأدخل الرعب والخوف في قلوبهم، الأمر الذي جعل الكثير منهم يخرج عن صمته، ويظهر ما يخفيه قلبه، ويعبر جاداً أو هازلاً.
ولم يتوقف الأمر هنا فقد حصدت الانتفاضة ثمارها، ما أثر على كافة مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والسياحية، وبات الاحتلال يشعر بالعجز تجاه التراجع الذي يشهده جراء تصاعد الأوضاع بالقدس المحتلة والمسجد الأقصى.
مقاطعات اقتصادية لإسرائيل
وفيما يتعلق بما تحمله الانتفاضة من تهديدات حقيقية للمستقبل الإسرائيلي، يقول المحلل في الشئون الاسرائيلية محمد شاهين :" إن الاحتجاجات الفلسطينية وبهذه الوتيرة المتسارعة سيترتب عليه تأثيرات سلبية على الاقتصاد الإسرائيلي؛ وذلك من خلال ارتفاع حجم الخسائر والتي تفوق خسائرها المرافقة لاندلاع الأزمات المالية والاقتصادية العالمية، حيث فاقت خسائر إسرائيل" 50 مليار"، موضحا أن شركة ساس الاسرائيلية أوقفت رحلاتها للكيان، الأمر الذي سيدفع شركات أخرى لإيقاف رحلاتها لاحقا.
ويؤكد أنه سيترتب أيضا على ذلك مقاطعات اقتصادية كبيرة للمنتجات الاسرائيلية كما حدث قبل يومين في ايرلندا وغيرها، عدا عن الجمود التجاري بكافة أشكاله، كما يشكل ضربة قوية للاقتصاد الاسرائيلي وخاصة بمدينة القدس المحتلة، حيث قام ناشطون بإتلاف المنتجات الاسرائيلية بالمحال التجارية بعد انتهاء صلاحيتها.
ويضيف شاهين:" إن الانتفاضة بدأت بهبة من أجل القدس والأقصى والانتهاكات الاسرائيلية والاعتداءات على نسائنا وشيوخنا وأطفالنا، وقام بها شباب لا ينتمون لأي فصيل، بل حرقة على الأقصى وعلى النساء التي تستباح، وبذلك تتدحرج الهبة لانتفاضة ومن انتفاضة لأكبر من ذلك طالما يستأنف الاحتلال تعديه على المقدسات، وقطعان المستوطنين التي تعربد بأحياء وبلدات وقرى الضفة"، مؤكدا أن الفلسطينيون يعون الفبركات الاعلامية الاسرائيلية كما حدث بالأيام الأخيرة عمليات الاعدام الميدانية ورمي السكين بجانب الضحية.
استياء ومطالبة بتعويضات
وحول تأثير الانتفاضة على المجتمع الإسرائيلي، يتابع:" هناك هبوط حاد في معنويات الاسرائيليين الذين شاهدوا هروب الجنود المحصنين كالخراف أمام شاب فلسطيني أعزل كما حدث مع الشهيد البطل اياد العواودة".
وكانت عملية بئر السبع قد أثارت موجة كبيرة من السخرية والتهكم في أوساط الإسرائيليين الذين ذكروا أن "جنود جيشهم لا يصلحون للقتال، ولا يحسنون غير الركض والهروب"، فيما يتهكم معلق عسكري إسرائيلي تعقيباً عليها، قائلاً: "جنودنا جلبوا لنا العار، إنهم يصلحون لتنظيم السير وليس للقتال".
ويشير شاهين في حديثه الى أنه سنشهد قريبا اغلاق الروضات والمدارس والمحال الكبيرة والمؤسسات الهامة لدى الاحتلال، بسبب عدم حصول مواطني اسرائيل على تعويضات جراء الخسائر الكبيرة التي لحقت بهم جراء الأحداث الجارية بالقدس المحتلة، منوها إلى أنه حتى الآن يطالبون بتعويضهم عن الخسارة التي لحقت بهم في الحرب الأخيرة على قطاع غزة والتي شلت الاقتصاد الاسرائيلي وخسر بها مدراء الاعمال الكثير من الأموال.
تراجع المشروع الصهيوني
من جهته يؤكد المحلل السياسي حسن عبدو أن انتفاضة القدس سيكون لها تأثير مباشر على كيان الاحتلال من خلال أمرين هامين، أولهما: تراجع الهجرة لإسرائيل والتي تعتبر الشريان المغذي للاحتلال وأحد دعائمه بسبب فقدان الأمن الشخصي ووجود بيئة غير مواتية للهجرة، وثانيهما: أن الانتفاضة تضرب المشروع الصهيوني في عمقه وتقوم بتفكيكه نتيجة تراجع التمدد الاستيطاني نتيجة الأحداث الغير أمنية.
وفيما يتعلق بإمكانية حدوث تحول ايجابي فيما يخص قضية القدس والأقصى، يقول عبدو:" إن ضغط الانتفاضة سيولد حالة من الهيجان والثورة لدى المجتمع الاسرائيلي ضد حكومة نتانياهو بسبب ماورطهم فيه من أحداث أضرت بهم أكثر مانفعتهم".
وكانت خبيرة اقتصادية إسرائيلية قد تحدثت عما أصاب اقتصاد كيانها، وما لحق بأسواقه المالية والتجارية بفعل الانتفاضة، حيث قالت": إن الضرر الذي لحق بالسوق الإسرائيلي نتيجة الأحداث، أكبر بكثير مما ألحقته حرب غزة به ".
وينتقد كاتبٌ إسرائيلي رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، ويحمله كامل المسؤولية عن تصاعد أعمال العنف وتحريض الجمهور عندما أراد أن يستميل المتدينين، ويكسب تعاطف المتشددين اليمينيين، فسمح لهم باستفزاز الفلسطينيين، والدخول إلى باحات المسجد الأقصى، فيقول "إن كيد نتنياهو قد ارتد عليه".
هذا وكشفت الانتفاضة التي تشترك فيها غزة والضفة مع القدس، أن "قرابة ثلثي الإسرائيليين باتوا يؤيدون الانسحاب من الأحياء العربية في مدينة القدس، ويوافقون على قيام دولة فلسطينية، تلتزم أمن إسرائيل، وتلاحق وتعاقب كل من يفكر بالاعتداء عليها وعلى مصالحها، وترتبط مع الحكومة الإسرائيلية باتفاقياتٍ ضابطة".

