يوم واحد أحدث خرقاً، واشتعلت الأرض من تحت أقدام المحتل، رغم إجراءاته وقراراته التي حاول أن يمنع بها تمدد واستمرار انتفاضة القدس، فكان الثلاثاء الماضي يوماً حافلاً بعد هدوء نسبي لم يطل وتبعه الأربعاء يتساقط قتلى الاحتلال ومستوطنيه ويرتفع الشهداء.
وفي شهرها الخامس لا زالت انتفاضة القدس تدافع عن نفسها وتؤكد عدة سنن أنها أولا شعبوية وعشوائية، وثانياً لا يمكن احتوائها وثالثاً استمراريتها.
وتتالت ثلاث عمليات في يوم واحد، تنوعت بين طعن ودهس وإطلاق نار ليرتفع عدد الشهداء الثلاثاء والأربعاء إلى قرابة ستة ويتفاوت عدد قتلى المحتل ومصابوه من اثنين قتلى وخمسة عشر مصاباً في مناطق ظن فيها الاحتلال الإسرائيلي أنه فرض سيطرته عنوة وأمسك بها مفاصل الأمور في المناطق الفلسطينية.
المناطق تصنع العجب
ولسبب ما فإن المناطق التي انطلق منها الإستشهاديون وفنيو الطعن من الشباب قد يكون المحتل ظن أنه لن يتكرر بها الأمر ثانية فكان ما كان في القدس حين انطلق الشاب فؤاد أبو رجب "التميمي" 21 عاماً، ليستشهد في اشتباك مسلح مع قوات الاحتلال على مدخل شارع صلاح الدين قرب باب العامود بالقدس المحتلة، بعد أن أعلن عن إصابة شرطيين إسرائيليين من قوات الاحتلال بجروح خطيرة.
المفاجأة جاءت بعد وقت قصير من "بيتح تيكفا" شمال تل أبيب حيث استشهد الشاب عبد الرحمن محمود رداد 18 عاما بعد أن أطلقت الشرطة الإسرائيلية النار عليه بحجة طعنه إسرائيليا وإصابته بجروح متوسطة، ليتبين لاحقاً أن الشهيد من قرية الزاوية قضاء سلفيت وهو طالب توجيهي.
لينتقل الحدث إلى يافا في الداخل المحتل أيضاً ولينتقل الاستشهادي بشار محمد مصالحة (22عاما) من بلدة حجة قضاء قلقيلية إلى ميناء يافا مشهراً سكينه ويفوز بقتل إسرائيلي وإصابة 11 آخرين بجروح وصفت اربعة منها بالخطيرة، ثم يستشهد هو برصاص الشرطة الإسرائيلية.
الاحتلال الذي فقد عقلة أصبح يطلق نيرانه يمنة ويسرة على ما يبدو هلعاً من أي جسم متحرك فقتل في وقت سابق من ذات اليوم المسنة فدوى أبو طير في البلدة القديمة في القدس المحتلة، ليتزامن ارتكابه لجريمة قتله السيدة مع يومها العالمي.
الحبر أغلى من قراراته
الكابينت الإسرائيلي الذي تداعى لاتخاذ سلسلة من الإجراءات العقابية رداً على عمليات الثلاثاء في القدس وبيتح تكفا ويافا لم تضع حداً للهبة نفسها وكان يوم الأربعاء مدوياً من صباحاته.
ومن بين القرارات التي اتخذها الكابينت " مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر" إغلاق الفتحات في الجدار حول القدس، استكمال بناء الجدار في منطقة ترقوميا، إغلاق المحطات الإذاعية ووسائل الإعلام التي تبث التحريض، تشديد العقوبات على مشغلي العمال الذين لا يحملون تصاريح عمل في إسرائيل، سحب التصاريح من أقارب وعائلات منفذي العمليات بشكل أوسع من السابق وتنفيذ عمليات محددة ضد المناطق التي يخرج منها منفذو العمليات وفرض حصار وإغلاق على تلك المناطق.
ويبدو ان القرارات القديمة الجديدة لا سيما فرض حصار مناطقي لا تنجح بل تزيد من لهيب الانتفاضة لا سيما أن حصار قباطية سابقاً اضطر الاحتلال رفعه بعد يومين كون وضع المحتل في مواجهة قريبة مع الشبان المتفاعلين مع الانتفاضة عن قرب.
الانقسام يقتل الانتفاضة
كل الاتجاهات التحليلية تؤكد أن استمرار الانقسام الفلسطيني الفلسطيني هو عامل أكبر في قتل الانتفاضة بشكل يفوق محاولات الاحتلال وأدها وتخفيف حدة اشتعالها.
ومنذ اندلاعها في تشرين/ أول أكتوبر الماضي أي قبل خمسة أشهر ويؤكد المحللون أن الانقسام الذي يضعف البيت الفلسطيني يؤثر بقوة على الانتفاضة ويجعل من إمكانية دفعها والمحافظة عليها درباً من دروب الخيال.
وعن ذلك يقول المحلل السياسي الفلسطيني ناصر الصوير أن كل يوم يمر والحالة الفلسطينية بذات الضعف فإنه سيكون مسماراً في نعش الانتفاضة، مشدداً على ان الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام سيكون له فعل معاكس تماماً.
ويقول الصوير في بث همه الوطني رداً على مقومات الدعم للانتفاضة أن أهمها تقوية البيت الداخلي ووأد الانقسام وترتيب الأولويات، وترك أسلوب الشعارات والتوجه للدعم الفعلي المعنوي والمادي للشباب الذين يضحون بأنفسهم وبأهلهم في سبيل القضية والأقصى.
وعما يدفع الشباب للاستمرار في هبة الأقصى يشير إلى أن استمرار الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني واستمرار الاحتلال في ممارساته العدوانية والاستفزازية خاصة في باحات المسجد الأقصى هو ما يدفع الشباب لحمل السكين بيده وروحه على كفه.
ولكن ماذا عن الوضع الاقتصادي وهل له أي تأثير على توجه شريحة كبرى من الشباب على التضحية بأنفسهم؟ يجيب الصوير بالقول أن سوء الأوضاع المعيشية يعد\ عاملاً بسيطاً من عوامل دفع الشباب للانخراط في عمليات الطعن والدهس للمحتل ومستوطنيه وأن العامل ا؟لأكبر برأيه هو اقتناع الشباب أن الموت والحياة باتا متساويتين بل أن الموت في سبيل الله والقضية هو أسمى من البقاء حياً في ذل ومهانة المحتل، ومشدداً على أن الاحتلال حين يبث إمكانية تحسين الأوضاع الاقتصادية لوأد الانتفاضة قد لا تؤتي أكلها لذلك يرى المحتل أن تحسيناته على أوضاع العمال باتت تشكل له خطراً، وأصبح يدرك أنها ليست " مكمن الحل أو مربط الفرس".
أدوار وهمية
كذلك ومنذ اندلاع الهبة والتساؤلات تتدور حول إمكانية دعمها فصائلياً وتصويب الوجهة وتقويتها ولكن يمر الشهر الخامس ولا زالت ارتجالية عشوائية شبابية في ذات الوقت.
وعن ذلك يتعجب المحلل السياسي الصوير قائلاً أن معظم الفصائل التي لا زالت في مقعد المتفرج تمثل على الشعب أنها تلعب دوراً ولكن هذا الدور وهمياً لم يزل بعد مرور الشهر الخامس.
وشدد الصوير على ضرورة أن تبدأ الفصائل بوضع خطط إستراتيجية وقوية ومحبكة لدعم الانتفاضة وأن تبدأ بالدعم المادي لا سيما ان ذوي الشهداء الذين يلقي بهم المحتل إلى الشارع يبدأون بلوم القادة والفصائل التي تتركهم وحيدين في مواجهة مصيرهم بعد استشهاد أبنائهم.
ويختم بالقول حزيناً من موقف الفصائل:" للأسف نرى المؤسسات الفلسطينية الوطنية والفصائل والفعاليات تتغنى بالانتفاضة ولكنها لا تلعب أي دور بل بالعكس هناك من يستفيد منها ومن يحاول وأدها علنا ً دون أن يشعر بالحرج"!.

