منذ سنوات لم تشهد عناوين الأخبار الرئيسية أنباء عن تفجير كبير في المناطق التي يكثف الإحتلال وجوده فيها بالضفة والقدس المحتلتين وأراضي الـ48, وأيضا منذ سنوات مضت والأصوات الحرة تنادي بعمليات تزلزل وجود الكيان الصهيوني بعمليات مثيلة لـ"سقف الباص الطاير" والعمليات الناسفة لزعزعة الأمن الصهيوني.
إلى أن فجّرت عملية القدس في السابع عشر من إبريل الأنباء المؤكدة بتفجير حافلتين كبيرتين تابعتين لقوات الإحتلال الصهيوني ,حيث يأتي الوقت الذي فجرت فيه العملية الاستشهادية في الفترة التي خمدت فيه ألسنة نيران انتفاضة القدس وهدوء حدتها بالتوافق مع التشديدات الكبيرة والحملات الواسعة تجاه المواطنين والمارة من النساء والأطفال والكبار وكل من يمتلك ملامح الفلسطيني.
بـ "كبسة زر" تحولت موازين القوة وعادت بوصلة الزمن إلى الوراء لسنوات العهد الجميل ,عهد العياش وأبو الهنود وعماد عقل ,وعهد أمير الظل "عبدالله البرغوثي" وعهد الثأر المقدس لـلأسير "حسن سلامة" وعهد عمليات الأحزمة الناسفة في كل مكان يتواجد به الإحتلال سواء فترة احتلاله لقطاع غزة أو حتى تواجده وتمترسه بالضفة والقدس المحتلتين .
ضربة موجعة
فكانت ساعات قليلة قد فصلت بين احتفال النخب الأمنية والسياسية الإسرائيلية بكشف نفق على حدود غزة، وبين الضربة القاسمة التي تلقتها سلطات الاحتلال في قلب مدينة القدس المحتلة، في عملية فدائية أقر الإحتلال بإصابة عشرين إسرائيلي منهم 5 بحالة الحرج الشديد.
ويقول علاء الريماوي المختص في الشأن الإسرائيلي إن العملية هي الأهم خلال الأشهر الستة الماضية من عمر انتفاضة القدس الثالثة، وقد شكلت صدمة موجعة للاحتلال، خاصة في ظل الحديث عن عبوة ناسفة مستخدمة في العملية".
ويؤكد الريماوي أن العملية ستعد الأكثر أثراً وستقرأ على أنها أحد العمليات التنظيمية، ما يعني أن الانتفاضة قد دخلت مرحلة جديدة خاصة على صعيد تنظيم العمليات، خاصة بعد إعلان الكيان العبري مرارًا عن كشفه لمجموعات وخلايا لفصائل فلسطينية حاولت تنفيذ عمليات فدائية من هذا النوع.
ولفت إلى أن الاحتلال الإسرائيلي أعلن عن رغبة حماس والجهاد وفصائل أخرى، بالعودة إلى هذه العمليات التي توقع إصابات كبيرة في الاحتلال لردعه ودعم الانتفاضة. وعلى صعيد الإجراءات الإسرائيلية المحتملة، فأكدّ الريماوي أن التهديد باجتياح الضفة لم يعد مؤثرًا لأنها مستباحة ومجتاحة أساساً، وبالتالي فقد الإسرائيلي كل معايير التأثير الممكنة لضرب الضفة المحتلة وتطويعها.
وأضاف أن السلطة الفلسطينية لا يمكنها أن تفعل أكثر من الاعتقالات التي تباشرها بشكل شبه يومي ضد حماس والجهاد، وتصعيد التنسيق الأمني الذي لم يتوقف منذ سنوات عديدة ,منوهاً إلى أنه لا يمكن التنبؤ بما تحمله الانتفاضة من مفاجآت جديدة على صعيد مسارات المواجهة مع الاحتلال.
من جهته، قال محمود مرداوي المختص في الشأن السياسي، أن عملية القدس دليل على استمرارية الانتفاضة ووصولها إلى الذروة، وهي إجابة شافية على فشل كل الإجراءات الأمنية وعجزها عن مواجهة الإرادة الفلسطينية في التصدي للاحتلال.
ورغم حديث الاحتلال عن عملية استشهادية، إلا أن مرداوي، استبعد أن تعود العمليات الاستشهادية في الوقت الراهن، لوجود قرار استراتيجي باستمرار الطابع الشعبي فيها، مستدركًا "أن ذلك لا يمنع أنها ستشهد أنواعًا من العمليات الفدائية التي غالبًا ما يكون خلفها عمل فردي".
وأوضح أن الفلسطينيين سيبحثون عن طرق ووسائل أكثر إيلامًا لمعاقبة الإحتلال، ما يعني أن كل الخيارات ستكون مفتوحة في المواجهة مع الاحتلال.
لها ما بعدها
وقال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون أن العملية تأتي في ظل نشوة إسرائيلية بعد تقلص وتراجع عمليات الطعن، وبعد تباهي وتبجح نتنياهو وقادة جيشه بنجاح إجراءاتهم في احتواء الانتفاضة، مما شكلت خيبة للاحتلال من جهة وأمل للفلسطينيين من جهات متعددة.
وأكد المدهون في قراءة له لعملية القدس أنها أربكت التنسيق الأمني وشككت بقدراته على أرض الواقع، والتي يحد وجودها من عشرات العمليات التفجيرية والاستشهادية، إلا أنه للأسف ما زال مخابرات ووقائي السلطة يشاركان بعمليات الإحباط ومتابعة وملاحقة المقاومين، رغم فشل التسوية ووصول المفاوضات لطريق مسدود ورغم توصية المنظمة بوقفه، ورغم الدعم الشعبي الكبير للمقاومة وللعمليات الفدائية.
وبعثت هذه العملية برسالة واضحة لقطاع غزة أن الضفة الغربية رغم الآلام والاعتقالات والملاحقات مازالت قادرة على تغيير المسار، وأن المواجهة الحقيقة ستكون في الساحات والشوارع هناك في حال شن الاحتلال هجوما على قطاع غزة.
وأوضح المدهون أنه من يظن أن العمليات الفدائية ستعطي الذريعة للعدوان على غزة فهو واهم، فالذي يمنع العدوان ليس توقف المقاومة بل لوجود مقاومة قادرة على إيلام العدو وتكبيده خسائر لم يتكبدها من قبل، بل أن العمليات التفجيرية في حال استمرت وتوسعت وزادت عددا ونوعا فستصب في النهاية بانسحاب الاحتلال السريع من الضفة الغربية, موضحا أن عدم إعلان الفصائل عن العملية فيه تطور وحكمة، فالتسابق على التبني له مخاطر أمنية كبيرة، كما يُدخل العمليات الوطنية المجمع عليها في التجاذبات السياسية السخيفة.

