بينما تصدح الهتافات والزغاريد في كل منزل بغزة فرحة وابتهاجا بالتفوق في الثانوية العامة، تنطلق زخات من الرصاص بين صفوف المهنئين والمبتهجين، إلا أن رصاصة واحدة قد تخطئ طريقها إلى طفل يقف بالجوار أو امرأة تطل من شرفة منزلها، أو شاب جاء مهنئا، قد تحول هذاالعرس الجميل إلى مأتم، يقع فيه الكثيرون ما بين مصاب وفاقدا للوعي، أو مصاب بجلطة حادة ينقل على إثرها للمشفى.
كثيرة هي المرات التي تحذر فيها وزارة الداخلية من خطورة إطلاق النار في احتفالات التوجيهي، إلا أن إهمال الكثير من الأشخاص الذين يحاولون التعبير عن سعادتهم بنجاح أقربائهم على حساب غيرهم من الأبرياء،يسرق العديد من أرواح الضحايا، في وقت يرغب هؤلاء في التباهي والتفاخر بالسلاح الذي يحملونه أمام المهنئين والمبتهجين من الناس.
وفور الإعلان عن نتائج الثانوية العامة، عجت شوارع قطاع غزة بالمهنئين للطلبة المتفوقين وذويهم، فيما أخذبعض حاملي السلاح بإطلاق العيارات النارية في الهواء الطلق ابتهاجا بالنجاح، وكأن التعبير عن الفرحة لا يكون إلا من خلال ذلك.
الفرحة بنجاح التوجيهي لم تكتمل في قلب عائلة الغرابلي بغزة حيث استقرت رصاصة طائشة في رأس نجل العائلة الطالب رامز جمال الغرابلي (18 عاما)، جراء إطلاق النار ابتهاجا بنتائج التوجيهي، فيما أصيبت طالبة بعيار ناري في اليد وجراحها طفيفة.
تباهي واستعراض للقوة
ويقول الأخصائي النفسي والتربوي زهير ملاخة:" إن إطلاق النار في المناسبات هو من السلوكيات السيئة التي تناقلت من إنسان لآخر بغرض التباهي واستعراض القوة، أو جهل البعض ظنا بأنها من مراسم الفرح وصور من صور البهجة، فالبعض لديه حمية وانفعال غير محمود في بعض المناسبات يدفع البعض لإطلاق النار، والبعض الآخر يغيب عنه معاني الحكمة والهدوء والتقدير الحسن، فيلجأ لتلك الممارسات لإشباع بعض النزوات أو تعويض بعض النقص".
وعن أضرار تلك العادات، يضيف في حديثه لـ"الرأي":" التحريض السلبي للآخرين وخاصة المندفعين من الشباب يدفع البعض لممارسة نفس السلوك، وهنا تحريض ودفع لإشاعة الخطأ، بالإضافة الى الترويع والتخويف الذي ينتاب الصغار والكبار ولا يراعي المريض".
ووفق ملاخة، فإن الرصاص الطائش يتسبب أيضا بضرر مادي قد يلحق نتيجة الإصابة، والذي يضر بالإنسان ويفسد على الناس أفراحهم، ويحولها الى مآتم وأحزان وندم.
لا ضرر ولا ضرار
وعن رأي الشرع في إطلاق الرصاص والأعيرة النارية في المناسبات، يقول عميد كلية الشريعة والقانون في الجامعة الإسلامية بغزة،د.ماهرالسوسي:" إن الشرع يمنع كل عمل قد يؤدي للإضرار بالبشر سواء قتلا أو إيذاء معنويا، وهو محرم في الشرع، والقاعدة المشروعة تقول" لا ضرر ولا ضرار".
ووفق ما ذكره في حديثه لـ"الرأي"، فإن إطلاق الأعيرة النارية ليس لها وجه شرعي وهي غير مشروعة، فلا يجتمع الفرح مع إطلاق النار والسلاح"، موضحا أن هذه ثقافة خطأ ومغلوطة، متسائلا في السياق ذاته:" كيف تفرح الناس بالسلاح؟؟
ويلفت إلى أن التجارب أكدت أن إطلاق النار بالاحتفالات والأعراس تسبب بوقوع ضحايا ليس لهم ذنب، داعيا لضرورة منع هذا التقليد، في حين يجب أن تنتبه وسائل الاعلام إلى هذه الظاهرة، وعدم التطرق لها حين وقوع الحدث فقط.
وكانت وزارة الداخلية في غزة،قد حذرت المواطنين من إطلاق الرصاص الحي في الهواء، فور إعلان نتائج الثانوية العامة.
وشددالمتحدث باسم الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة، العقيد أيمنالبطنيجي، في تصريح لـ"الرأي" على أن أجهزة الشرطة ستتخذ إجراءات حازمةً ضد مطلقي النار تنفيذا لقرار النائب العام في غزة.
وتحتاج ظاهرة إطلاق النار بغزة في المناسبات وخاصة احتفالات توجيهي إلى إجراءات رادعة لمنعها وإجبار من يمارسونها على التخلي عنها، حتى لا تتحول حياة البعض إلى كارثة ومأتم، وحتى لا تتسبب هذه الممارسات في قتل وإزهاق أرواح الأبرياء.

