جائحة كورونا طالت كافة مناحي الحياة في قطاع غزة، حتى بات قطاع المياه الجوفية، والذي يعدّ عصب الحياة لمليوني فلسطيني يعيشون في القطاع المحاصر، مهدداً بسبب الفيروس من جهة، والحصار المفروض منذ 14 عاماً من جهة أخرى.
وتسبب فيروس كورونا في امتناع المانحين الأوروبيين عن القدوم إلى قطاع غزة للمشاركة في الإشراف، ومتابعة المشاريع الخاصة بالمياه، منذ مطلع العام الجاري.
وذكر تقرير سابق للأمم المتحدة أنّ قطاع غزة المحاصر سيصبح مع حلول عام 2020 منطقة غير صالحة للعيش والحياة مع تراجع نسبة المياه الصالحة للشرب، إذ توقع انخفاض نسبة المياه الجوفية الصالحة للشرب إلى أدنى من 3%.
ومع استمرار نمو السكان في غزة، توقع التقرير الأممي، أن يزداد الطلب على المياه في غزة بحلول عام 2020 بنسبة 60%، في حين أن الأضرار التي لحقت بطبقة المياه الجوفية قد يستحيل إصلاحها.
تباطؤ بسبب الحصار
بدوره؛ قال نائب رئيس سلطة المياه في غزة مازن البنا، إنّ "انكفاء الدول المانحة سيؤثر أيضاً على حجم التمويل المقدم إلى قطاع غزة في المستقبل القريب، ويمكن أن يجعل لهذه الدول أولويات على دعم القطاع".
ونحو 90% من الآبار الجوفية التي تزود 2 مليون نسمة في قطاع غزة بمياه الشرب لا تتطابق مع معايير منظمة الصحة العالمية، مما حدا ببعض البلديات إلى إغلاق الكثير من هذه الآبار نظراً لشدة ملوحتها، وفق البنا.
ويحتاج قطاع غزة حوالي 180 مليون متر مكعب مياه في العام الواحد، في حين أن ما يعود للخزان الجوفي كمصادر متجددة لا يتجاوز 80 مليون متر مكعب في العام، وفي ظل هذا العجز الكبير تبرز أزمة المياه بشكل كبير في فصل الصيف.
ونبّه نائب رئيس سلطة المياه في غزة، من أنّ التباطؤ في حل أزمة المياه في قطاع غزة "سيفاقم معاناة الفلسطينيين، وسيواصل استمرار استنزاف الخزان الجوفي، مما يؤدي إلى تداخل مياه البحر في القطاع الساحلي وعملية الضغط، من خلال استخراج كميات كبيرة من هذا الخزان، مقارنة بالتغذية الطبيعية المتجددة له"، لافتاً إلى أنّ "تغذية الخزان تتم من خلال مياه الأمطار والتي لا تزيد عن 50 إلى 60 مليون متر مكعب سنوياً، في حين أنّ الاستخراج من هذه الآبار يكون أكثر بأربعة أضعاف من هذا الرقم".
تأثير كورونا
ومنذ حلول جائحة كورونا توقفت مشاريع التحلية المتعددة في قطاع غزة والتي تشرف عليها مؤسسات دولية، حيث امتنع المانحون الأوروبيين عن القدوم إلى القطاع لمتابعة هذه المشاريع بسبب الجائحة.
وفي الأثناء توقع البنا أن تتأثر مشاريع تحلية المياه في قطاع غزة بسبب جائحة كورونا العالمية.
وقال: "تمويل المشاريع المدعومة أوروبيًّا يمكن أن تتأثر بتوجه أولويات هذه الدول إلى المحافظة على نفسها من الجائحة ومنع تفشي الفيروس".
وأشار البنا إلى مدى أهمية مشاريع محطات التحلية بغزة لتعويض النقص الحاد في الخزان الجوفي في القطاع، مبيناً أنّ هذا المحطات لا تعمل بكامل طاقتها بسبب عدم توفر التيار الكهربائي على مدار الساعة، مما قد يؤثر على الواقع المائي إذا ما استمر الحصار.
ويشهد قطاع المياه والكهرباء في قطاع غزة أزمات متلاحقة منذ فرض الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة قبل قرابة 14 عاما، ولازالت محطات وآبار المياه في القطاع تتأثر بغياب التيار الكهربائي، وتشهد تراجعاً حادًّا في وصول المياه إلى السكان كافة.
خطوات استباقية
وبين البنا أن سلطته اتخذت خطوات استباقية لمحاولة التخفيف من حدة أزمة المياه المتوقعة جراء ارتفاع الطلب على المياه أشهر الصيف القادمة، وخصوصا في ظل انتشار فيروس كورونا واستمرار حالة الطوارئ، ومنها حصر وتحديد مصادر مائية جديدة ومنها الآبار الزراعية والآبار العامة، والتأكد من استمرارية عمل كافة المصادر على مستوى الجملة سواء التابعة لسلطة المياه أو المياه المشتراه من الجانب الإسرائيلي ، وتعزيز عمل محطات التحلية محدودة الكمية في قطاع غزة، وتعزيز عمل محطات المعالجة في مختلف المحافظات، إضافة إلى الاستجابة لندرة المياه في المناطق المهمشة.
ودعا لضرورة التشارك جميعا أفراداً ومؤسسات في مواجهة الأزمة، بدايةً من زرع ثقافة الترشيد والتوفير، والالتزام بتسديد مستحقات المياه للقادرين، وصولا للحفاظ على مصادر المياه ومكافحة كل مظاهر تلوثها وهدرها والتعديات على خطوط وشبكات المياه.
وطالب البنا المواطنين بضرورة مساندة طواقم سلطة المياه في محاربة هذه الممارسات، من خلال التواصل مع سلطة المياه أو مع مزود الخدمة في منطقته في حال وجود خلل أو عطل مثل كسر خط يؤدي إلى هدر المياه وأو في خال اكتشاف تعديات على خطوط وشبكات المياه، لما لها من آثار سلبية على الآخرين من حيث حرمانهم من وصول المياه، ولما ما قد تسببه من اختلاط المياه المزودة للمواطنين بمياه الصرف الصحي، وبالتالي ارتفاع مخاطر تلوث المياه.
وأشار أن الممارسات السليمة والحفاظ على المصادر المائية هو جزء من التكافل الاجتماعي والمسؤولية الوطنية لدورها الكبير في المساهمة في توفير المياه للجميع.
ولجأ الغزيون إلى إنشاء محطات خاصة لتحلية مياه الشرب الملوثة التي تصل إلى منازلهم، تابعة لمؤسسات غير حكومية، تنتج في العام حوالي 3 ملايين متر مكعب، ويعتمد تسعة من كل عشرة أشخاص في غزة على صهاريج مياه التحلية على الأقل لأغراض الشرب والطهي، إدراكا منهم لمخاطر استعمال مياه الصنبور. وينتج القطاع الخاص ما يزيد عن 80% من مياه التحلية المتاحة حالياً في غزة من المياه الجوفية.
وتقوم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعمليات قرصنة مائية، من خلال حفر ما يقرب من 37 بئراً على الحدود الشمالية والشرقية للقطاع كمصائد مائية يتم حفرها بمنسوب أقل من مستوى الخزان الجوفي، والتي وفق طبيعتها الانسيابية تتجه من الشرق والشمال باتجاه غزة.

