يقضي العامل محمد عادل طوال يومه في محل لبيع مواد البناء والأدوات الصحية في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، أملا في توفير لقمة العيش لعائلته المكونة من عشرة أفراد، والتي أرهقتها الأوضاع الاقتصادية الصعبة جراء حصار اسرائيلي طال أمده.
ويخرج محمد يوميا من الساعة التاسعة صباحا قاصدا مكان عمله، حتى ينتهي به المطاف الى ما بعد صلاة العشاء، مقابل مبلغ 15 شيكل في اليوم الواحد.
ويقول الشاب العشريني في حديث لـ"الرأي": " إن الأوضاع بعد جائحة كورونا تغيرت كليا، حيث انخفضت القدرة الشرائية لدى المواطنين، ولم تعد حركة البيع مثل المعهودة سابقا".
ويؤكد بلهجة يكتسيها الحزن والألم، أنه بات يتقاضى نصف راتب، فبعد أن كان يحصل على 200 شيكل أسبوعيا، أصبح يحصل على 100 شيكل فقط.
الحصار وكورونا
الظروف التي خلفها الحصار ومن بعده كورونا، لم تتوقف على جانب معين، فقد القت بظلالها على عمل مصانع غزة التي ازداد واقعها بؤساً، الأمر الذي دفع بالعديد من أصحاب المصانع الى تسريح أعداد كبيرة من العمال الذين يعيلون عائلات بأكملها.
أحمد القرا صاحب مصنع بلوك في خان يونس، توقف عمل المصنع لديه منذ أكثر من أسبوعين متواصلين، فيما تم تسريح أربعة عمال يعملون داخل مصنعه جراء الظروف الصعبة وقلة العمل.
ولا يفتح القرا مصنعه الا يوما واحدا في الأسبوع أو حسب الطلب، في وقت أصبحت فيه حركة البيع أشبه بالـ"ميتة"، وأغلب الذين يطلبون شراء الحصمة والإسمنت، يريدونها إما دين أو بالتقسيط، على حد تعبيره.
يقول القرا في حديث لـ"الرأي":" السوق تعبان، وأغلب الناس بدها تقسيط أو دين، والتجار لا يصبرون، كما أن الكثير من المواطنين لا يقومون بسداد الديون إلا نسب قليلة منهم، ولا يوجد لديهم دخل".
وحول تأثير جائحة كورونا على طبيعة عملهم، يضيف:" عملنا تأثر كثيرا في ظل ظروف كورونا، حيث عادت شيكات الموظفين والتجار، كما أن الشركات باتت تعاني من عجز في السيولة وهو ما أثر على طبيعة العمل لدينا".
بلا مصدر دخل
الخمسيني سهيل مقداد هو الآخر ترك مهنة الصيد منذ عام 2001، بعد أن أصيب بضعف في شبكية العين، في حين ضعفت قواه الجسدية عن السابق، ولم يعد يقوى على مواجهة أمواج البحر وظروف العمل الصعبة.
يقول مقداد في حديث لـ"الرأي":" منذ أن تركت مهنة الصيد، أصبحت بلا مصدر دخل، وأعتاش على مخصصات الشئون الاجتماعية التي تصرف كل أربع أشهر، في حين باتت ظروفنا صعبة ومأساوية، فمخصصات الشئون لا تسد حاجتنا".
ويؤكد مقداد الذي يعيل أسرة مكونة من 12 فردا، أنه يحصل على كافة مستلزمات بيته الأساسية من خلال الاستدانة من السوبر ماركت الى حين الحصول على مخصصاته المالية التي يعتبرها بمثابة طوق نجاة له.
الأربعيني حلمي أبو الروس، كان يعمل سابقا في مجال البناء والحديد، ولكن نتيجة لعدم إدخال مواد البناء وشلل حركة الاعمار بغزة، اضطر للعمل في مجال قطف الخضار مقابل خمسة أو عشرة شواكل في اليوم الواحد.
وانضم أبو الروس الى طابور العمال العاطلين عن العمل منذ أكثر من خمس سنوات مضت، فيما يسعى جاهدا لتوفير قوت أطفاله الصغار الذين لا تنتهي احتياجاتهم.
تسريح 4 آلاف
ومنذ بدء أزمة جائحة كورونا، تم تسريح 4آلاف عامل من أعمالهم في قطاع غزة في حين أغلق 50 مصنعا عانت من قلة الحركة والركود.
ويبلغ إجمالي عدد العمال في القطاع ما بين 300 ألف إلى 350 ألفًا، فيما بلغ إجمالي المتعطلين منهم عن العمل 250 ألفًا، ويعمل منهم ما بين 100 ألف إلى 130 ألفًا في مختلف القطاعات العمالية.
الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، قدر أن إجمالي الأيدي العاملة التي تضررت بفعل جائحة كورونا وإجراءات الطوارئ المتبعة بلغت 140 ألفًا، بينهم 40 ألفًا تضرروا بصورة مباشرة.
وبيّن أن من بين العمال المتضررين قطاع رياض الأطفال، الذي يعمل فيه 2800 عامل وعاملة ممن يعملون في رياض مرخصة، بالإضافة لقطاع السياحة والفنادق والمطاعم، الذي تضرر فيه نحو 5 آلاف شخص من العاملين، عدا عن تضرر 12 ألفًا إلى 15 ألفًا من السائقين بفعل تعطل المدارس والجامعات خلال الأزمة.
وزارة العمل بغزة تعمل وفق خدماتها المتواضعة المقدمة للعمال، من حيث توفير برامج التشغيل المؤقت، والتوسع في قطاع التدريب المهني، والبدء في تطبيق الحد الأدنى من الأجور، وتعزيز بيئة عمل لائقة صحية وآمنة مستدامة من خلال تطبيق اشتراطات السلامة والصحة المهنية، وتحصيل المستحقات العمالية.
وإلى جانب ذلك، تعمل الوزارة على تفعيل وتطبيق اللوائح والقوانين الخاصة بالعمال، وتنظيم العمل التعاوني، في مسعى لتعزيز صمود شعبنا ولفتح آفاق العمل.
ويعيش عمال غزة منذ أكثر من 14 عاما على التوالي، ظروفا استثنائية صعبة عقب تحكم الاحتلال في ادخال مواد البناء، وتوقف عمل الكثير من المصانع وتعطل الآلاف الذين باتوا رهينة الجلوس في منازلهم في ظل وضع اقتصادي ومعيشي سيء للغاية.

