يتكئ الحاج أبو محمد عيسى في عقده السابع من العمر على مفرش أرضي منجد بالحصير، ويركض من حوله اثني عشر حفيداً من أبنائه الموزعين على الطوابق الأربعة، في عادة مغايرة للروتين بأن يجتمع يومياً بهم جميعاً منذ عشرين يوماً مضت من عمر حظر التجوال الذي عم أرجاء القطاع بعد غزو جائحة "كورونا" للمجتمع.
الحاج عيسى يتعامل بصارمة كمن ينفذ قرارات وجب على الجميع الالتزام بها، ويحاول حصر أبنائه وأحفاده من الخروج من محيط بيتهم الذي يقع ناحية الشرق من قطاع غزة، ليكن واحداً ممن يتحلى بالمسؤولية الاجتماعية تجاه نفسه أولاً ومن ثم تجاه أهل بيته وأبناء شعبه.
ورغما عن اعتياد الحاج عيسى من ارتياد المسجد صلاة بصلاة لإمامة المسجد القريب من بيته، والعمل ضمن فريق لجنة الإصلاح الخاص بالمنطقة، إلا أنه ومنذ إعلان حظر التجوال كان من أوائل الملتزمين بالتعليمات وأهل بيته دون استثناء، وذلك بالتزامه بيته إلا في حالات الضرورة القصوى.
معركة ضارية
وسط أجواء من الحرص والتحدي يخوض المجتمع معركة ضارية بين التزامه بأوامر الحجر المنزلي وبين سعيه لتلبيه حاجيته الضرورية أو حتى السعي في طريق رزقه، وبين هذا وذاك تنفلت فئة من الشباب المستهتر لمضيعة مزيداً من الوقت الزائد لديهم أمام بيوتهم أو حتى بالتجول بين الطرقات دون حاجة تدعو للضرورة.
الحاج الخمسيني عاطف نمر والذي يقطن في بيت أشبه بـ"الفرن" في منطقة الشيخ رضوان، لا يرى بأن هناك ضرورة لتسكع الشباب بين الطرقات، إلا للخروج في قضاء حاجات ذويهم من طعام أو دواء.
حالة البيت الذي يقطن بداخله الحاج نمر لا يتمتع بأي ميزة تفتح المجال أمام نسمات الهواء من الدخول أو حتى لأشعة الشمس، فهو عبارة عن جدران تختبئ بين العمارات السكنية الملاصقة ببعضها دون مراعاة لأدنى متطلبات الحياة، ورغماً عن ذلك يضطر لأن يتحلى بالمسؤولية الاجتماعية بتخليه عن فتح باب رزقه أسفل بيته والمكوث وأسرته داخل البيت منذ ما يزيد عن عشرين يوماً.
الحاج الخمسيني نمر يقول لـ"الرأي" :"نحن نحيا مرحلة خطيرة واستثنائية، فكلما تحلى الناس بالوعي المسؤولية سنتجاوز الأيام الصعبة دون خسائر، ولكن في حال عاند الناس القرارات الواعية فإننا سنعيش واقعاً أسوء أضعاف مضاعفة"
وتابع بقوله :"إذا تصور كل إنسان منا أنه سيفقد عزيز على قلبه، طفلاً كان أو شيخا، فإنه لن يتهاون بالتزام البيوت، فنحن جميعاً لا نعرف من أي ثغرة يمكن أن يصيبنا الوباء ويصيب أحفادنا وأولادنا، لحظتها لن ينفع الندم".
الأكثر عرضة للمخاطر
أستاذ علم الجراثيم في الجامعة الإسلامية د. عبد الرؤوف المناعمة، قال: إنّ "فئة كبار السن من أكثر الفئات عرضةً لمخاطر فيروس كورونا".
وأضاف المناعمة في حديث إعلامي، أنّ 18 بالمئة من المسنين الذين تتجاوز أعمارهم الـ80 عامًا ما فوق معرضون لخطر الوفاة، حال أصيبوا بالفيروس، و12 بالمئة لمن كانت أعمارهم 70 عامًا فأقل، مشيرًا إلى أنه كلما قل العمر تقل إمكانية الوفاة.
وأوضح أن ذوي الأمراض المزمنة مثل أمراض القلب والضغط والسكري والربو والسرطان هم أيضا أكثر عرضة لخطر الوفاة، من الفيروس.
ونبه المناعمة، إلى عدم التراخي وتجاهل التعليمات وإثارة الرأي العام بمواضيع قد تقلل من صموده، بكل ما يتعلق بجائحة "كورونا"، وتداعياتها الخطيرة على الصحة.
ودعا أستاذ علم الجراثيم، كافة المواطنين إلى ضرورة متابعة كل ما ينشر من وزارة الصحة حول مستجدات "كورونا"، والاهتمام بالتعليمات الصحية، مؤكدًا أنه وفق الصحة العالمية أن فيروس "كورونا" لم يضعف، ولم تتغير صفاته تغييرًا جذريًا.
الجدير بذكره أنه في عام 2019، بلغ تعداد كبار السن في فلسطين 257,151 فردًا بما نسبته نحو 5% من إجمالي السكان، بواقع 169,503 فردًا يشكلون نحو 6% في الضفة الغربية، و87,648 فردًا 4% في قطاع غزة البالغ تعداد سكانه أكثر من مليوني نسمة، وفق تقرير لجهاز الإحصاء الفلسطيني.
المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة أمام تحدي الوعي وعدم مضيعة الوقت في محاولة الاقتناع، فالكل الفلسطيني دون استثناء يخضع للمعركة ذاتها، وعلى الشعب الفلسطيني كما انتصر في حروب ثلاث وفي هجمات لا تعد ولا تحصى، وفي حصار زاد عمره عن أربعة عشر عاماً أن ينتصر على وباء لا يرى بالعين المجردة.
إجراءات صارمة
أعلنت وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة مساء السبت، عن البدء بتشديد الإجراءات بحق المخالفين لتعليمات السلامة والوقاية للحد من تفشي فيروس كورونا في كافة محافظات قطاع غزة، بدءًا من الليلة.
وقال المتحدث باسم الوزارة إياد البزم خلال بث مباشر عبر فيسبوك: "إن هناك "فهمًا خاطئً من بعض المواطنين لإجراءات التخفيف المعلن عنها، والسلوك المتبع من قبلهم في العودة للحياة بشكل طبيعي ينطلي على خطورة كبيرة".
وأضاف: "خلال الأيام الماضية وجدنا عدم التزام من كثيرين من المواطنين بإجراءات السلامة والوقاية أثناء تحركهم".
وأشار إلى وجود "فرق كبير بين تخفيف إجراءات حظر التجوال وبين العودة للحياة الطبيعية".
وتابع أن "إجراءات التخفيف جاءت في هذه المرحلة لنساعد أبناء شعبنا على تلبية احتياجاتهم الأساسية، لكن دون أن تعود الأمور للحياة الطبيعية".
وأوضح أن وكيل وزارة الداخلية اللواء توفيق أبو نعيم عقد مساء اليوم، اجتماعًا مع خلية الأزمة ومحافظي الشرطة في المحافظات؛ لتقييم الأوضاع الميدانية.
وأكد البزم، أن "اللواء أبو نعيم وجّه تعليمات مشددة لقادة الأجهزة الأمنية والشرطية بإلزام المواطنين بإجراءات السلامة والوقاية، وسنتخذ مزيدًا من الإجراءات بحق المخالفين".
ووجّه أبو نعيم، وفق البزم، "بمنع خروج الأطفال دون سن السادسة عشر من المنازل منعاً باتاً"، داعيًا أولياء الأمور للتعاون في تنفيذ هذه التعليمات.
وبيّن البزم "أننا ما زلنا في مرحلة المواجهة مع الوباء ولم نصل لمرحلة التعايش، ولا يمكن الوصول للتعايش في ظل استهتار المواطنين الذي يُبعدنا عن مرحلة التعايش".
وأكد أنه في حال تم مواجهة مشكلات كبيرة بفعل الاستهتار، فسنرجع للإغلاق التام بكل تأكيد".
وناشد البزم كل من بلغ سن الـ 60 فما فوق لعدم الخروج من المنازل بشكل مطلق؛ حفاظاً على حياتهم.
ودعا جميع المواطنين لعدم التحرك في الشوارع إلا بحمل بطاقة الهوية الشخصية، مؤكدًا أن كل مراكز التجمع، والمؤسسات الرسمية، والأسواق، والمتنزهات مغلقة، ما زالت مغلقة.
ولفت إلى ضرورة أن يتحول "ارتداء الكمامة إلى سلوك عام لدى المواطنين عند الاضطرار للتحرك".

