لك أن تطلق عنان خيالك، كيف لطفل لما يبلغ من العمر عشراً أن يسمح له بالخروج وحيداً من بوابة فولاذية ينتهي عند حدها جدار الحصار المحكم على قطاع غزة، يحفها عشرات الجنود المدججين بالسلاح، يُسمح لهذا الطفل بالدخول نحو الأراضي المحتلة عبر تصريح عمره من المحاولات عاماً على الأقل، ويسمحون لأنفسهم بالتفتيش وطرح الأسئلة على طفل مريض، دون مرافق، دون أب أخ أم أخت، دون أحد، بزعم انهم مرفوضون أمنياً.
قطعة من العذاب تلك الرحلة لم يتذوق منها الأطفال المرضى إلا بعضاً منها بالخلاص من العبور، وتبدأ حقيقتها بعد الوصول إلى المشافي المكدسة بآلام وعذابات وتفاصيل يومهم اليتيم.
ملفات مكدسة
تراكمت ملفات وطلبات البحث عن العلاج خارج القطاع، ما كدّس الأسماء وباتت الملفات بما تحويه من قصص مبكية هي مجرد أرقام في لوائح الموت في السجلات المدنية بقطاع غزة، لكنها ملفّات تحمل في طيّاتها معاناة وحسرة وذكرى الفاجعة المرة وألم الفقدان لكل عائلة غزية.
أطفال مرضى السرطان على رأس القائمة المحكوم عليها بالموت المؤكد إن لم تحصل على مخرج، فهم يعيشون أوضاعاً وبائية في ظل جائحة كورونا، زيادة على انعدام الأمكنة والإمكانات العلاجية المناسبة لهم في مشافي القطاع.
المئات من الأطفال الفلسطينيين المرضى يعيشون في قطاع غزة حالة من الترقب والخوف من المصير المبهم بانتظار المصادقة على تحويلهم للعلاج في المشافي الإسرائيلية أو مشافي القدس والضفة الغربية، إذ توجهت مئات العائلات مؤخرًا للحصول على المساعدة من منظمات حقوق الإنسان بعد أن رُفضت طلبات الحصول على العلاج خارج القطاع.
ووفقًا للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ومركز الميزان في قطاع غزة، فالكثير من العائلات التي أضحت رهينة للتنسيق الأمني في الرحلة العلاجية لأحد أفرادها، أكدت بأنها توجهت في الفترة الأخيرة إلى جهات التنسيق الفلسطينية التي كانت مسؤولة عن تنسيق انتقالهم إلى الداخل والقدس والضفة مع السلطات الإسرائيلية، لكنّها توقفت عن تقديم طلبات الحصول على تصاريح خروج لأغراض طبية وعلاجية.
ظاهرة رفض تصاريح مرافقي الأطفال المرضى تتفاقم منذ النصف الأول من العام الماضي، وتتسبب في ضياع مواعيد المستشفيات، وتفاقم الحالة الصحية للأطفال المرضى، وفق ما يؤكده مدير دائرة التنسيق في وزارة الصحة رفعت محيسن، قائلا: "منذ بداية العام الحالي وحتى أواسط شهر تموز الماضي، تقدمت وزرة الشؤون المدنية بـ13 ألف تصريح للمرضى، بينهم حوالي 4000 طفل مريض، ومثلهم مرافقين، وتمت الموافقة على 9 آلاف تصريح منها، في حين رفضت 44% من تصاريح المرافقين بكل عام، من بينهم 2000 حالة لمرافقي الأطفال، ومعظمها تم فيها استبدال المرافقين مرة ومرتين وأحيانا أكثر، واللجوء لمراكز حقوق إنسان".
ويجري تحويل المرضى للعلاج في الخارج في حالتين، الأولى عدم وجود علاج للمريض في مستشفيات القطاع، والثانية عدم القدرة على تشخيص المرض، ويتم في هذه الحالة التحويل للخارج لإجراء فحوصات مخبرية غير متوفرة أيضاً في القطاع، وخاصة المسح الذري، وفق ما أوضحه الدكتور محمد أبو سلمية، استشاري طب الأطفال، والذي أضاف زميله الدكتور خالد ثابت، رئيس قسم الأورام في مستشفى الرنتيسي للأطفال، أن 60% من خدمات العلاج الكيميائي والإشعاعي غير متوفرة في غزة، وأكثر من 30% من الجراحات لمرضى السرطان يتم تحويلها إلى الخارج لعدم توفر الإمكانيات.
ووفق الدكتور محمد أبو سلمية مدير مستشفى الرنتيسي الحكومي لعلاج السرطان، فإن عدد الأطفال المرضى بالسرطان في قطاع غزة بلغ 640 طفلاً تراوح أعمارهم بين شهر واحد وحتى 12 سنة، مبيناً أن سرطان الدم "اللوكيميا" يأتي في مقدمة السرطانات التي تصيب الأطفال في قطاع غزة، يليه سرطان الغدد اللمفاوية ثم المخ.
وبحسب أطباء في وزارة الصحة بغزة، فإن غالبية التحويلات خارج القطاع لأطفال يعانون من مرض القلب والسرطان.
شأن أطفال غزة المرضى رغم أمراضهم الكبيرة على أجسادهم الصغيرة وتحويلهم للعلاج في مشافي القدس هو فقط الحصول على علاج، لكن الاحتلال يحول رحلات علاجهم إلى رحلات يتيمة بمنع الآباء والامهات من مرافقة أولادهم لدواع أمنية بحسب ادعائهم.

