شكّلت الحفريات والإنشاءات التهويدية في الأقصى ومحيطه طريقًا سعى الاحتلال عبرها إلى إضفاء طابع يهودي على المكان، وتزوير هويته، وفيما بدأت الحفريات كمسعى للعثور على آثار تعود إلى حقبة المعبد تثبت أنّه كان موجودًا مكان الأقصى فقد تحولت، بعد فشل هذا المسعى، إلى وسيلة لتهويد الفضاء السفلي للمسجد، عبر إنشاء قاعات تبثّ الرواية التوراتية المزعومة وتزوّر تاريخ المكان وهويته.
وقد سيّج الاحتلال الأقصى بالحفريات والأنفاق من جهاته الأربع، حتى تجاوز مجموع مواقع الحفريات 52 حفرية، فيما لم يمكن كشف كل المواقع نظرًا إلى أنّ الاحتلال يحيط تنفيذها بالسرية ولا يمكن كشفها إلا في مراحل متقدمة أو عندما يفتتحها الاحتلال للمستوطنين و"السيّاح".
وتركزت أعمال الحفريات مؤخرًا، وفق تقرير عين على الأقصى السنوي الـ15، الذي يرصد تطور الاعتداءات على الأقصى من 2020/8/1 حتى 2021/8/1، أسفل حائط البراق وأسفل ساحة البراق، بهدف ربط شبكة أنفاق الحائط الغربي بالأنفاق والمباني الجديد، وليكمل مخطط سيطرته الكاملة على ما هو تحت الأرض في تلك المنطقة، بعدما سيطرَ عليها وأزال من فوق أرضها حارة المغاربة في حزيران/يونيو 1967.
حفريات الجهة الغربية من الأقصى
يشير تقرير عين على الأقصى إلى إعادة افتتاح مواقع الأنفاق الموجودة تحت حائط البراق في سور الأقصى الغربي أمام اقتحامات المستوطنين و"السياح"، في آب/أغسطس 2020، لأول مرة منذ 5 أشهر في الوقت الذي قدمت فيه إدارة الحائط التابعة لبلدية الاحتلال في القدس خدماتها الإلكترونية لنحو 20 ألف شخص من أنحاء العالم، في فترة الإغلاق، نفّذوا جولات افتراضية عبر موقع إلكتروني داخل أنفاق الأقصى.
وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر 2020، زعمت "سلطة الآثار الإسرائيلية" اكتشاف قطعة أثرية عمرها 2700 عام نتيجة الحفريات التي تنفذها بالاشتراك مع "مؤسسة تراث الحائط الغربي" قرب السور الغربي للأقصى.
ووفق الخبير في شؤون القدس، فخري أبو دياب، فإنّ سلطات الاحتلال تهدف من الحفريات المستمرة في حائط البراق إلى تغيير واقع المكان، لا سيما أنّه جزء من المسجد الأقصى. وبيّن أبو دياب في لقاء مع "الجزيرة مباشر" في شباط/فبراير 2021، أنّ سلطات الاحتلال تسعى لإقامة بناء لإخفاء معلم حائط البراق الذي يدلّ على هوية القدس العربية والإسلامية، إضافة إلى إنشاء ساحة أسفل ساحة البراق بمساحة 1000 متر مربع لأداء طقوسهم وربطها بأنفاق تمهيدًا لإقامة ما يسمى بـ "مطاهر المعبد".
وبحسب أبو دياب، يسعى الاحتلال إلى إقامة مبنى ضخم في المكان لوصله أولاً بباب المغاربة مكون من عدة طبقات بحيث تكون الطبقة الأولى مخصصة لصلاة المستوطنين، والثانية لتدريب ما يسمى بـ "كهنة المعبد"، والثالثة لنزول وصعود ركاب القطار المعلق حيث ستكون محطة رئيسة له، وفوق ذلك سيكون هناك ساحة لمراقبة ما يجري في الأقصى.
دعوات لاستبدال جسر باب المغاربة
في حزيران/يونيو 2021، عرضت القناة 13 العبرية تقريرًا مصورًا قال إنّ مهندسًا وجّه رسالة رسمية إلى "صندوق تراث الحائط الغربي" يحذّر فيها من أن جسر باب المغاربة الخشبي يعاني "جفافًا شديدًا وتصدعات متعددة على طوله"، ومعرّض لخطر الانهيار، وأنّ توصيته الوحيدة بهذا الخصوص هي استبدال جسر فولاذي بالجسر الخشبي الذي لا يمكن إصلاحه.
ويشير تقرير عين على الأقصى إلى أنّ مجموعة من أعضاء "الكنيست" اليمينيين بقيادة المتطرف إيتمار بن غفير، عقدت مؤتمرًا في 2021/7/13 حول استبدال جسر المغاربة، وتداول المشاركون بمقترحات عديدة شملت بناء جسر بديل، وبناء درجيْن إضافيين خلف حائط البراق يوصلان إلى داخل الأقصى، للسماح لعدد أكبر من المقتحمين باقتحام المسجد. وفي 2021/7/22، تقدّمت جماعات المعبد بدعوى أمام المحكمة العليا للاحتلال لإلزام الحكومة بتبديل الجسر الخشبي المؤدي إلى باب المغاربة.
وقد تناول برنامج "عين على القدس" في حلقة بثّها التلفزيون الأردني في 2021/8/24، موضوع الجسر الخشبي ومخططات الاحتلال بشأن استبداله.
وقال تقرير مصور عُرض في الحلقة إن موضوع الجسر عاد "ليطفو على السطح" بعدما كشفت مصادر إعلامية عبرية أن مؤسسة ما يسمى "صندوق تراث حائط المبكى" ستهدم هذا الجسر وتبني مكانه جسرًا من الباطون المسلح، كما وضعت بندًا سريًا في العطاء، يلزم المقاول الذي سيبني الجسر بالسرية التامة وعدم الكشف عن أي تفاصيل تتعلق بالمخطط.
وبيّن التقرير أن باب المغاربة من أهم أبواب الأقصى إذ كان حتى عام 1996 المدخل الرئيس لسكان الأحياء الجنوبية من القدس إلى المسجد، مشيرًا إلى أن الاحتلال حاول عدة مرات سابقة تغيير وضع جسر باب المغاربة لكن الضغط الأردني والشعبي حينها حال دون ذلك.
وقال مدير المتحف الإسلامي في المسجد الأقصى المبارك، المهندس عرفات عمرو، إن بناء الجسر بهذا الشكل وبحسب رأي المراقبين، يمكن أن يكون مخططًا لإدخال المعدات الثقيلة وعدد أكبر من الجنود عند اقتحام المسجد وساحاته.
وأوضح مدير السياحة والآثار في المسجد الأقصى الدكتور يوسف النتشة، في اتصال فيديو، أن دولة الاحتلال تنتهج سياسة "التدرج خطوة خطوة" في تنفيذ مشاريعها والتوقيت المناسب لتنفيذ هذه المشاريع، ما يضع الفلسطينيين دائمًا في حالة "ردة الفعل".
وأضاف النتشة أن الرواية الإسرائيلية لتبرير هذا المشروع تستند إلى رأي وحيد لمهندس بلدية الاحتلال بأن الجسر يسبب خطرًا، متجاهلاً المنطق بأن هذه المنطقة أثرية وتراثية ولها وضع حساس باعتبارها تراثًا إسلاميًا، وأن مبرر الاحتلال إقامة المشروع يرتكز على رأي واحد، متجاهلا اليونيسكو والجهات الهندسية الفعلية.
ولفت إلى أن حكومة الاحتلال تتذرع دائمًا بذرائع واهية لما تقوم به، مشيرًا إلى أنّ الاحتلال يستخدم كل ما يتعلق "بالخطر الإنساني" لتنفيذ مآربه، وثمة مخاوف حول طبيعة الجسر التي لا أحد يعلم عنها شيئًا.
واعتبر النتشة أن هذا الهدف يقع ضمن استراتيجية طويلة تتمثل بإعادة صياغة المشهد الحضاري والمعماري لمنطقة ساحة البراق، ومحاولة السيطرة على ساحة البراق وإحاطة الأقصى بمبان حديثة، وإيجاد مشهد معماري يسلب القدس تاريخها وطابعها العربي الإسلامي.
مساع لتغيير اسم باب المغاربة
في سياق متصل بتهويد منطقة باب المغاربة، عمد والدا المستوطنة هليل أريئيل، التي قتلت في عملية في مستوطنة "كريات أربع" بالخليل عام 2016، إلى وضع لافتة، في حزيران/يونيو 2021، كتب عليها بالعبرية "باب هليل" في محاولة لتغيير اسم الباب، وتمّ وضع اللافتة بحضور عضوي "الكنيست" السابقين يهودا غليك وأوري أريئيل. وعلى الرغم من أنّ اللافتة أزيلت في اليوم التالي، إلا أنّ ذلك لا ينفي محاولات التهويد التي تطال باب المغاربة في أدقّ تفاصيله.

