توّجت جماعات المعبد في أيلول/سبتمبر مساعيها التي بدأتها منذ حوالي عامين لفرض الطقوس التوراتية في الأقصى، واستفادت هذه الجماعات من موسم الأعياد العبرية لإعادة الزخم لمخططاتها التي كانت شهدت فرملة في 28 رمضان مع منع المرابطين اقتحام الأقصى لمناسبة "يوم القدس"، وفي معركة سيف القدس.
ولم تكن سلطات الاحتلال بعيدة من دعم هذه الأجندة، فالاقتحامات وما رافقها من تصعيد في العدوان تمّت بحماية قوات الاحتلال التي تؤمّن الحماية للمستوطنين في أثناء أداء الطقوس التلمودية.
موسم الأعياد وفرض الطقوس التوراتية في المسجد
ثقيلاً كان موسم الأعياد اليهودية هذا الشهر على الأقصى، فموسم الأعياد الذي بدأ مع "رأس السنة العبرية" في 2021/9/7 وصولاً إلى 2021/9/28 مع عيد "فرحة التوراة" الذي يختتم به أسبوع "عيد العرش"، كان حافلاً بتصعيد الاعتداءات على الأقصى مهّدت له "جماعات المعبد" بالدعوة إلى تكثيف المشاركة في اقتحامات المسجد، وعينها على تحقيق جملة من الأهداف التي تندرج في سياق فرض الطقوس التوراتية في الأقصى أو الـتأسيس المعنوي للمعبد.
وهذه الأهداف تتضمّن أداء الصلاة التلمودية العلنية والجماعية في المسجد، ونفخ البوق في الأقصى، وإدخال القرابين النباتية إلى الأقصى، ويمكن القول إنّ الاحتلال حقّق معظمها.
حيث شهد الأقصى اعتداءات غير مسبوقة في هذا الموسم، تجلّت في أداء طقوس "خدمة التابوت" التوراتية، وهي طقوس تشكل ذروة العبادة اليهودية وتؤدى في "يوم الغفران"، وجرى النفخ بالبوق، وإدخال القرابين النباتية إلى المسجد؛ فيما رفع مستوطنون علم الاحتلال في 2021/9/27، ثلاث مرات في فترة الاقتحامات الصباحية، ولسان حالهم أنّ الأقصى تحت السيادة الإسرائيليّة.
تقاسم الأدوار بين جماعات المعبد وشرطة الاحتلال
شهد الأقصى تقاسمًا للأدوار بين جماعات المعبد وشرطة الاحتلال في استهداف المسجد واستباحته. وكتعبير عملي عن الاعتراف بدور الشرطة في تأمين الاقتحامات في موسم أعياد حافل بأداء الطقوس التلمودية، وزّع أنصار هذه الجماعات، في 2021/9/23، الحلوى على أفراد شرطة الاحتلال، وأطروا عليهم بعبارات الشكر والتقدير.
واستقبل قادة شرطة الاحتلال نشطاء جماعات المعبد بالترحاب، وأفسحوا المجال لهم لوضع طاولات الإرشاد والوجبات والحلويات أمام باب المغاربة.
وكان رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت، وهو من مؤيدي جماعات المعبد، شكر شرطة الاحتلال ووزير الأمن الداخلي في اقتحام يوم التروية في 2021/7/18، على ما وفروه من "حماية لحق اليهود في العبادة" في الأقصى.
حاخامات يذكّرون بعدم جواز "الصعود إلى جبل المعبد"
جدّد عدد من الحاخامات التذكير بفتوى تقضي بأنه "لا يجوز الصعود إلى جبل المعبد (التسمية التوراتية المزعومة للأقصى)، في وضعه الحالي، يجب الانتظار حتى عودة المسيح، فهذا انتهاك خطير لأحكام أسلافنا".
وجاء التحريم في رسائل نشرها الحاخامان زلمان نحميا غولدبرغ وآشر فايس، مؤكدين أن 53 حاخامًا كبيرًا من مختلف الأطياف الدينية حكموا بعد احتلال الأقصى عام 1967 بحظر الدخول إلى الأقصى، وأطلق عليه حظر "الهلاخاه".
ووفقًا لهذا الحظر، "يمنع دخول اليهود إلى [الأقصى]، لأنه يخالف قانون (الطهارة)، إذ طالما لم يحدد موقع المعبد الثاني بدقة، فإنه من الممكن أن يكون أي يهودي يدخل إلى تلك المنطقة عرضة لأن يخطو من دون قصد فوق قدس الأقداس"، وهو ما يعد محرمًا وفق الشريعة اليهودية".
استمرار أعمال الحفر والبناء التهويدية في ساحة البراق
تواصل سلطات الاحتلال أعمال البناء والحفريات في ساحة البراق وباب المغاربة، لإقامة مشاريع تهويدية ضخمة.
وقال نائب المدير العام لدائرة الأوقاف الإسلامية بالقدس المحتلة الشيخ ناجح بكيرات إن الاحتلال استغل موضوع الاستفراد في ساحة البراق وباب المغاربة منذ عام 1967، لتنفيذ مخططاته التهويدية عبر عدة مؤسسات، تتمثل في "صندوق تراث حائط المبكى"، ووزارة المالية و"سلطة الآثار"، والجامعة العبرية، والجمعيات الاستيطانية.
وأشار بكيرات إلى أن سلطات الاحتلال تجري حفريات وأعمال بناء مستمرة في ساحة البراق، تحديدًا في المنطقة الغربية الشمالية، بدعوى التطوير، لكنها في حقيقة الأمر تهدف إلى خلق واقع وقداسة يهودية في المكان.
وأوضح أن هذه الحفريات كشفت عن معظم أساسات الحائط الغربي للأقصى، وأحدثت خللًا في تلة باب المغاربة، بما يؤدي إلى طمس وتغيير المعالم الإسلامية في المنطقة.
ويسعى الاحتلال، وفق بكيرات، إلى تغيير الرؤية البصرية للمكان، وخلق واقع جديد عبر توسيع ساحة البراق، وإقامة منشآت تهويدية جديدة، حيث تم سابقًا بناء أكثر من متحف وكنيس يهودي ومبانٍ لشرطة الاحتلال في المنطقة، وثمة تحضيرات لبناء كنيس عند المدرسة التنكزية، وعدة مشاريع تهويدية أخرى، بما فيها مشروع "القطار الهوائي"، وساحات ومواقف سيارات وغيرها.
وحذر بكيرات من خطورة ما يجري في ساحة البراق وباب المغاربة، وما له من تداعيات خطيرة على قضية الأقصى، مؤكدًا أنّ ما يحدث يُنذر بخطر شديد على المسجد، قد ينتقل إلى الساحة الجنوبية، وقرب المصلى المرواني وباب الرحمة وغيرها، مضيفًا "نحن أمام محاولة إسرائيلية فعلية لخنق الأقصى وعزله عن الواقع الفلسطيني".
مواقف تحذّر من خطورة الاعتداءات على الأقصى
حذرت هيئات القدس الإسلامية من "خطورة ما تؤول اليه الأوضاع في الأقصى في ظل تصاعد الانتهاكات والهجمة الشرسة من المتطرفين اليهود المقتحمين للمسجد وتصرفاتهم الاستفزازية لمشاعر المسلمين والتي بدأت تأخذ منحى خطيرًا خاصة خلال فترات الأعياد اليهودية، وذلك تحت حماية الشرطة الإسرائيلية والقوات الخاصة وأذرع الأمن الإسرائيلية المختلفة".
جاء ذلك في بيان مشترك صادر عن مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية، والهيئة الإسلامية العليا، ودار الإفتاء، وديوان قاضي القضاة في القدس، ودائرة الأوقاف الإسلامية وشؤون المسجد الأقصى المبارك.
وأوضحت الهيئات الإسلامية في القدس "أن المسجد الأقصى المبارك شهد خلال فترة الأعياد استباحة خطيرة من قبل المتطرفين اليهود من خلال اقتحام المسجد بمجموعات كبيرة وأداء الصلوات التلمودية العلنية داخل باحات المسجد، واقتحام المسجد باللباس الديني وبشكل جماعي، والجلوس والانبطاح على الأرض داخل باحات المسجد، والوقوف في أماكن محددة داخل المسجد وأداء الصلوات، وإدخال كتب الصلوات وغيرها وقراءتها بشكل علني، وجميع ذلك يأتي تزامنا مع التحريض المستمر من قبل جماعات الهيكل المزعوم لاقتحامات المسجد بأعداد كبيرة وأداء الطقوس التلمودية العلنية".
وحذرت هذه الهيئات "من هذه الانتهاكات لحرمة المسجد الأقصى المبارك من قبل هؤلاء المتطرفين الذين يسعون الى فرض أمر واقع جديد في المسجد الأقصى المبارك ضمن مخطط حكومي واضح بهدف تغيير الوضع الديني والتاريخي والقانوني القائم في الأقصى، مؤكدة أنّ جميع ما تقوم به هذه الجماعات المتطرفة وما تسعى للوصول إليه بالقوة وبدعم حكومي وبحماية كبيرة من الشرطة والقوات الخاصة المدججة بالسلاح التي تحول المسجد الى ثكنة عسكرية لتمكن هؤلاء المتطرفين اليهود من اقتحامه، لن يغير من الحقيقة الربانية أن الأقصى بمساحته البالغة 144 دونمًا هو مسجد إسلامي ملك للمسلمين وحدهم لن يقبل القسمة ولا الشراكة، وسيبقى كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها، وسيبقى أهل بيت المقدس والمرابطين في أكنافه حراسًا للمسجد أوفياء لعهد وذمة رسولهم الأكرم صلى الله عليه وسلم ووصيته بالالتفاف حول مسراه المبارك.
وحذّر رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس الشيخ عكرمة صبري حذر صبري من مخاطر وتداعيات ما يجري في الأقصى، ومن سعي الاحتلال لبسط سيطرته وسيادته الكاملة عليه. وأشار إلى أن خطورة ما يجري تكمن في تغيير الواقع داخل الأقصى، وحرمان المسلمين من الصلاة فيه، لأن الاحتلال يسعى لتحقيق مخطط تفريغ المسجد من المسلمين لإتاحة المجال للمتطرفين اليهود للعربدة والصلاة وغيرها.
وحمّل صبري حكومة الاحتلال برئاسة المتطرف بينيت المسؤولية الكاملة عن هذه التجاوزات والاعتداءات، مؤكدًا أنهم يحاولون فرض واقع جديد في الأقصى حتى نستسلم ونقبل بهذا الواقع.
وأكد أنه يتوجب على الدول العربية والإسلامية التحرك رسميًا، سياسيًا ودبلوماسيًا وبشكل عاجل، للضغط على سلطات الاحتلال للتراجع عن ممارستها وإجراءاتها بحق الأقصى.
وقال مدير المسجد الأقصى الشيخ عمر الكسواني إنّ "الاحتلال يسعى لتكريس واقع جديد في المسجد الأقصى، وما يتم تحت قوة السلاح لا يعطي شرعية للاحتلال". وشدّد الكسواني على أنّ "المسجد الأقصى للمسلمين ولا يقبل القسمة أو الشراكة، والفلسطينيون يؤكدون للعالم أنهم سيحافظون على مسجدهم".
ووجّهت الخارجية الأردنية مذكرة احتجاج رسمية، طالبت فيها دولة الاحتلال بـ"الكف عن انتهاكاتها واستفزازاتها" في المسجد الأقصى، و"احترام الوضع القائم التاريخي والقانوني، واحترام حرمة المسجد، وسلطة إدارة أوقاف القدس" التابعة للأردن.
ودانت حركة حماس اقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى، في 9/16، وهم يرتدون الملابس التي يصفونها بالخاصة بما يُسمى "كهنة المعبد"، وأدائهم لبعض الطقوس، ووصفته بأنّها "تجاوز خطير جدًا". وقال محمد حمادة، الناطق باسم حماس عن مدينة القدس، إن "محاولات الاحتلال المستمرة بالتعدي على حرمة الأقصى، ومحاولة فرض وقائع جديدة على الأرض، لا تعدو كونها قفزات في الهواء ولعبًا بالنار التي ستأكل أخضر الاحتلال قبل يابسه".
أمّا مؤسسة القدس الدولية فحذّرت من أنّ الأقصى دخل مرحلةً مفصلية من تصفية هويته بفرض الطقوس التوراتية فيه، فسلطات الاحتلال وجماعات المعبد تعمل على تكريس المسجد باعتباره مركزًا فعليًا للعبادة التوراتية، ووجّهت المؤسسة نداءها إلى الحكومة الأردنية بضرورة مراجعة هذا السلوك الخطير من جانب الاحتلال، ودعت المرابطين والمقدسيين وفلسطينيي الداخل والضفة الغربية، والمقاومة والشعوب العربية والإسلامية، للدفاع عن الأقصى.
كذلك، وجهت المؤسسة رسالة إلى العاهل الأردني عبد الله الثاني تؤكد أنّ اعتداء الاحتلال المتصاعد على الأقصى شمل الدور الأردني عبر إعادة تعريف دور الأوقاف الإسلامية من جهة تدير المسجد بذاته إلى جهة تدير الوجود الإسلامي فيه، وتدعو إلى التوقف أمام الأخطار المحدقة بما تستحقّ.

