الفلسطينيون يستذكرون نكبتهم:
اثنان وستون عاما على النكبة .. حق العودة لازال محفورٌ في الذاكرة
غزة – نرمين الإفرنجي:
رغم مرور 62 عاما على النكبة الفلسطينية إلا أنها لا تزال تنزف دما وترسم معالمها المؤلمة عبر الأجيال، فالشعب الفلسطيني - الذي اغتصبت أرضه في عام 1948م ودمرت قراه ومدنه وشرد من أرضه - مازال يقدم في كل يوم الشهداء، ويعاني الأمرين تحت وطأة احتلال صهيوني غاشم، وفي هذه الذكرى المؤلمة أعدت صحيفة "الرأي" الحكومية هذا التقرير الذي نقبت خلاله واسترجعت الماضي عبر روايات الشهود ممن عاصروا النكبة.
اليهود هاجموا قريتنا
المختار يونس كُلاّب من قرية بشيت، يقول في شهادته التي وثقها مركز التاريخ الشفوي بالجامعة الإسلامية: "قريتنا هي قرية ساحلية قضاء الرملة يحدها من الشمال قرية يبنا، ومن الشرق قرية قطرة، ومن الجنوب قرية المسمية ولها سور، ومن الغرب قرية سكرير، وكان يبلغ عدد سكانها حوالي 2000 مواطن ومن أشهر عائلات القرية عائلة كُلاّب والحاج وأبو هلال إلى جانب عائلات صغيرة عديدة، حيث اعتمد اقتصاد القرية على زراعة الذرة والشعير والسمسم وأشجار الزيتون والكروم".
وأضاف: "لقد هاجم اليهود القرية ولكنهم لم يتمكنوا من إخراج الناس من الكروم التي استطاعوا الدخول إليها وكان هذا في شهر مايو، حيث قُتل فيها من أهل القرية ومن اليهود ولم يستطيعوا إخراج الجثث واستعانوا بالإنجليز حيث أن الانتداب البريطاني كان لا يزال في فلسطين ولم يستطيعوا إخراجهم إلا بواسطة المختار في سيارة الإنجليز وسلموهم لليهود، ومات من شبابنا 16 من خيرة الشباب، ومن بين من استشهد في المعركة الأولى محمد خالد كُلاّب، وجابر النجار، وعبد الله عواد كُلاّب، ومحمود حسين كُلاّب، ومحمد المصري".
محاولات السيطرة على القرية
وأردف: "وبعد مدة كثف اليهود من محاولات السيطرة على القرية على الرغم أنه لم يخرج من القرية أحد، وفي الفترة الأخيرة ألقى الاحتلال على القرية قنابل هاون ومورتر وهي من الإنجليز والدليل عندما هاجرنا إلى يبنا، قالوا لنا اليهود كم تدفعوا ونعيدكم لأرضكم، وبقي المقاتلون من منتصف الليل حتى ثاني يوم العصر إلى أن انتهت الذخيرة وبلغونا وخرجنا إلى يبنا ونسفوا ما استطاعوا وأحرقوا دونمات الأراضي والبيوت".
وأكد الحاج كلاب أن الاحتلال مثّل بجثث شهداء القرية، وقال: "أما عن المعركة الثانية سقط بها الكثير من الشهداء منهم إسماعيل كُلاّب، علي شاهين، محمد نمر حمدان، عبد القادر أبو عبد وأخيه ذُبح من قبلهم، علي أبو هلال، الحاج يوسف حماد، وشنعوا في جثث من قتلوهم".
وأشار إلى أنه وعندما هاجر أهل بشيت خرج معها - نتيجة الذعر الشديد – العديد من المواطنين، وقال: "فذهبوا إلى يبنا ومكثوا فترة، حيث جند اليهود قوات كبيرة وهجموا على أسدود ودخلوا بين الناس وكان القصد ليس قتل الناس بل القضاء على الجيش المصري الذي وصل قبل مدة بسيطة وخرج الناس بوصوله إلا أن الجيش المصري دافع دفاع الأبطال وضربهم بجميع أنواع الأسلحة، إلا أن خطة اليهود فشلت، وسمح اليهود للمناضلين الخروج من بين الكروم ومزارع العنب، ولكن الناس خافوا من الموقف فمنهم من خرج إلى المجدل وإلى غزة وخان يونس وعندما خرجنا إلى المجدل كانت الطائرات تهاجم المواقع بقصد تهجير الناس للجنوب وخرجنا من المجدل إلى غزة وحضرنا المعركة البحرية وأرسل اليهود التوربيدات ونسفوا الباخرة المقاتلة المصرية (فوزية) التي قسمت نصفين، وذهبنا إلى خان يونس ومازال اليهود يتابعوا الضرب على الناس في خان يونس.
ويوثق الحاج كلاب بالقول: "كنا لا نملك غطاء لنا، إلى جانب هيئة الكويكرز (جمعية الأصدقاء البريطانية) حيث وزعوا خيم في معسكرات وكل قرية تسكن خيمة واحدة ويوزعوا عليهم الطحين والبطاطين والرز والزيت ولكنها كانت ليس للعيش بل مجرد إغاثة سريعة ليحافظوا على حياتهم ثم جاءت هيئة الأمم".
ويردف: "في بداية الهجرة لم يكن لنا أي عمل نعمله ولكن هيئة الأمم عملت على توزيع المواد التموينية بانتظام وأوجدوا مرافق صحية، واستأجروا منازل في خان يونس لبناء المستوصفات للعلاج، أما عن مدارس الأطفال فكانت عبارة عن خيم كبيرة يجلس الأطفال فيها على الأرض والأساتذة بكرسي وطاولة ويعلموهم".
الحرف الدارجة
أما الحاج محمود شامية الذي عمل - مدرس تاريخ – وهو متقاعد من قرية برير الواقعة جنوب شرق قطاع غزة، فقد تحدث عن الحالة الاقتصادية التي عاشها الفلسطينيين قبل عام 1948م، حيث قال أنهم اعتمدوا على حرفة الزراعة، وكانت معظمها زراعة بعلية، وأضاف: "هذا إلى جانب بعض الحرف الأخرى كالتجارة الداخلية في مدن فلسطين وكانوا يتبادلون المنتجات الزراعية وبعض الصناعات اليدوية، وفي المدن كانت أفضل حالا مما هو الحال في القرى بسبب ارتقاء التعليم، واعتمدت صناعة النسيج على الكتان والقطن في المناطق الشمالية من فلسطين وخصوصاً المجدل التي اشتهرت بها، كما ارتبطت فلسطين تجاريا بالدول العربية المجاورة لها مثل مصر وسوريا والأردن"، مضيفا: "أما عن الزي الشعبي الغالب في فلسطين؛ فالثوب الفلاحي وتطرزه النساء ويورثنه لحفيداتهن، وبعضهن اتخذن من التطريز كمهنة لهن".
مؤامرة دولية واضحة
وعن حال المناضلين قبل وصول الجيوش العربية؛ قال خضر عبد الحميد الخالدي من قرية كرتية: "لم تكن أيا من القرى قد احتلت من قبل اليهود قبل وصول الجيوش العربية وكان المناضلين هم من تولي الدفاع عن أرضهم وكانت بينهم خطة تكتيكية بنظام النجدات لنصرة القرى المجاورة عند استنجادها"، وأضاف: "أما بعد دخول الجيوش العربية السبعة لنصرة فلسطين ظهرت المؤامرة الدولية الواضحة للتمهيد للهدنة والانسحاب وللأسف بعد انعقاد مؤتمر أشتورة الذي عقد من قبل جامعة الدول العربية لنصرة فلسطين، وقرر فيها الزعماء العرب أن يتولى قيادة الجيوش السبعة أكبرهم سناً وكان حينها جلالة الملك عبد الله، وكان القائد الذي وضعه زعيم للجيوش (رئيس الأركان) جولب باشا أبو حنيك وهو ضابط بريطاني وهو رئيس أركان القوات الأردنية التي قادت الجيوش العربية السبعة، برغم أن بريطانيا هي أم وعد بلفور وهي من أعطت فلسطين هدية لليهود، وهنا تكمن المهزلة.

