أخبار » مقالات

أيلول..الرواتب..المصالحة

18 أيلول / يوليو 2011 12:15

ربما يستغرب البعض عنوان المقال ويتعجب متسائلا ما علاقة هذه بتلك؟، وهل يمكن أن يكون هناك علاقة أو رابط ما، بين ما يجري الحديث عنه من استعدادات ماراثونية لما اصطلح على تسميته باستحقاق أيلول، وبين الأزمة المالية المعلنة من قبل السلطة في رام الله والتي جعلتها تصرف نصف راتب لموظفيها، وما هي علاقة كل ذلك بالمصالحة، ولعل الإجابة عن هذه الأسئلة يتلخص في كلمتين فقط وهما: الوهم والإيهام.

فالوهم هو ما عاشته وتعيشه السلطة ورجالاتها منذ سنوات طوال بإمكانية أن تؤدي المفاوضات -التي وصفها صائب عريقات بأنها كل الحياة-إلى دولة فلسطينية على حدود عام 67 بعاصمتها القدس، مع تمتعها بكامل المواصفات والمقاييس والمزايا التي يجب أن تنعم بها الدول.

وأما الإيهام فهو ما حاول محمود عباس ورئيس حكومته سلام فياض أن يمرروه على الشعب الفلسطيني من انجازات في طريق الدولة العتيدة، بدء بالشفافية المزعومة وخطة إقامة مؤسسات الدولة، مرورا بأكذوبة الاعتماد على الذات والاستغناء عن المساعدات الخارجية، وانتهاء بالمصالحة ووحدة الصف والموقف الفلسطيني.

فأيلول وطرح الاعتراف بالدولة الفلسطينية لم يكن في يوم من الأيام استحقاقا واجب النفاذ، إلا بعد أن شعرت سلطة رام الله وقيادتها أنها أمام تهديد بوجودها، في ظل التعنت الذي أبداه نتنياهو في موضوع الاستيطان، والتهاون والانحياز الأمريكي المعتاد إلى جانب الموقف الصهيوني، ومطالبات جادة بحل السلطة التي جعلت من "إسرائيل" الاحتلال الأقل تكلفة في التاريخ، فأوعز لها شيطانها بفكرة طرح الدولة للاعتراف بها في الأمم المتحدة، كما أوعز لها سابقا بطرح موضوع وقف الاستيطان كشرط للرجوع إلى المفاوضات، وكعادتها لن تكمل السلطة طريقها للنهاية، بل ستتفتق عقلية مفاوضيها بإيجاد سبب وجيه تنتقل به من مأزق أيلول إلى دوامة جديدة، بعد أن تقول أنني حاولت ولكني لم استطع تحقيق شيء.

ولكي تكتمل الحبكة وتنطلي الحجج الواهية والذرائع التافهة المعتادة على الشعب المغلوب على أمره، كان لابد أن تفرغ الجيوب وتخوى الأمعاء، فخرجوا علينا بمسرحية الأزمة المالية المباغتة بين ليلة وضحاها، وبعد أن أشبعونا حديثا عن الاستعداد للدولة واكتمال كافة أركانها، يخرج علينا كلا من أبو مازن وسلام فياض مبشرين "بدأنا منذ هذا الشهر معاناة مالية حقيقية وهي عملية العجز بصرف الرواتب لموظفينا، فقد قمنا بصرف نصف الراتب لهذا الشهر وربما لا نستطيع صرف حتى نصف الراتب في الشهر المقبل".

وعلى الرغم من التأكيدات السابقة لأرباب السلطة بأن الوضع المالي مستقر، وبأن الاقتصاد الفلسطيني خرج من عنق الزجاجة، إلا أن المطلوب هو التضييق على الشعب تارة بحجة عدم تحويل أموال الضرائب من قبل الاحتلال، وتارة لتأخر العرب في دفع التزاماتهم المالية، ولكن الشعب الذي فطن هذه الأساليب وخبرها جيدا ، أصبح لديه من الحنكة ما يجعله يدرك تماما أن الهدف من وراء هذه الأزمة هو تمرير صفقة سياسية أو ربما اتفاق أو مرحلة جديدة من التفاوض العبثي.

وحتى تكتمل الصورة ويتحدث أبو مازن باسم الشعب الفلسطيني ويواري السوءة التي لطالما فضحته بأنه لا يمثل إلا القليل من الفلسطينيين، وحتى إنه لا يحكم إلا ما تركه له الاحتلال في الضفة، كان لابد من إجراء مصالحة صورية  تحقق له مبتغاه ويسجل بها العديد من النقاط، لذا يصر على التنكر لكل ما ورد في اتفاق المصالحة سواء في مهام الحكومة أو كيفية اختيار رئيسها، بالرغم من عدم تفهم الكثيرين لإصراره على تولية من يعتبره الفلسطينيون سببا مباشرا في الأزمة منذ بدايتها، ولكنه منذ البداية كان واضحا في تحديد ملامح المصالحة التي لا يريدها حقيقة، لذا تنكر لها في اليوم التالي للتوقيع.

ولكل هذا يتضح أن السلطة وأبو مازن إنما يحاولون اللعب بهذه القضايا الثلاث: أيلول، الرواتب، والمصالحة، خدمة لهدف ما ربما يكون تسويق جولات جديدة من المفاوضات تبدأ من الصفر مثل سابقاتها، وليس من المستبعد أن تكون جولات التفاوض القائمة "السرية وغير المباشرة" قد أفضت عن مسودة اتفاق ولم يبق إلا طريقة إخراجه وتمريره، ولمن لا يصدق فليتذكر الظروف التي عاشها الشعب الفلسطيني قبل اتفاق أوسلو.

 

متعلقات
انشر عبر
إستطلاع للرأي
جاري التصويت ...
ما مدى رضاك عن أداء المؤسسات الحكومية بشكل عام؟